• اخر الاخبار

    مفهوم علاقة الثبات بين الإنسان والخالق إعداد د. القس سامي منير اسكندر

     



    مفهوم علاقة الثبات بين الإنسان والخالق

    إعداد

    د. القس سامي منير اسكندر

    v   كيف غيّر "الثبات" مفهوم العلاقة بين الإنسان والخالق؟

    بالتأكيد، الآية الأشهر والأعمق التي تلخص هذا المفهوم هي ما ورد في إنجيل يوحنا 15: 4-5، حيث استُخدم فعل Menō (الثبات) بشكل متكرر ومكثف ليصوغ مفهوم "الاتحاد" بدلاً من مجرد "الطاعة".

    النص (بالعربية واليونانية):

    "اُثْبُتُوا (meinate) فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ. كَمَا أَنَّ الْغُصْنَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ (menē) فِي الْكَرْمَةِ..."

    كيف غيّر فعل "Menō" مفهوم العلاقة؟

    أولاً: من "علاقة قانونية" إلى "علاقة عضوية"

    قبل هذا المفهوم، كانت العلاقة مع الخالق تُفهم غالباً كعلاقة "عبد بسيده" أو "شعب بملكه" (علاقة خارجية / قانونية). لكن فعل Menō هنا يصور العلاقة كغصن في شجرة:

    الغصن لا "يزور" الشجرة، بل "يثبت" فيها.

    إذا انفصل الغصن، لا يفقد "القانون" فقط، بل يفقد "الحياة" ويجف.

    هذا الفرق الجوهري بين "الدين كمنظومة قواعد" وبين "الدين كحالة روحية حية". عندما نستخدم تشبيه "الغصن والكرمة" المستند إلى فعل الثبات (Menō)، فإننا ننتقل من منطق المحاكم إلى منطق البيولوجيا (الأحياء).

    هذا ما يعنيه فقدان "الحياة" مقابل فقدان "القانون":

    1. فقدان "القانون" (المستوى الخارجي)

    عندما يكسر الإنسان قاعدة معينة (مثل موظف يخالف لوائح العمل)، فإنه يفقد "حماية القانون" ويصبح عرضة للعقوبة، لكنه يبقى كائناً مستقلاً.

    في العلاقة القانونية مع الله: إذا أخطأت، فأنت كأنك "خالفت العهد"، والخطر هنا هو "العقوبة الخارجية".

    الغصن والقانون: لو كان الغصن يرتبط بالشجرة "بمسمار" أو "حبل" (علاقة قانونية / آلية)، وانفصل عنها، فإنه يظل خشباً متيناً لفترة، لكنه فقط "لم يعد جزءاً من الشجرة".

    2. فقدان "الحياة" (المستوى العضوي - جوهر Menō)

    في تشبيه الكرمة، العلاقة ليست "حبلاً" بل هي "عروق وقنوات" يجري فيها السائل الحيوي (الماء والغذاء).

    الانفصال هنا يعني الموت الفوري: بمجرد أن ينفصل الغصن عن الجذع، ينقطع تدفق "الحياة" إليه.

    الجفاف: الغصن لا يسقط ميتاً في ثانية واحدة، لكنه يبدأ في "الجفاف" داخلياً. يفقد مرونته، يفقد لونه الأخضر، وبالتأكيد يفقد قدرته على إنتاج أي ثمرة.

    المعنى الروحي: الإنسان الذي ينفصل عن "الثبات" في الخالق قد يظل "شكلياً" يقوم بحركات العبادة، لكنه جاف من الداخل؛ لا يوجد سلام، لا يوجد حب حقيقي، ولا توجد طاقة روحية. هو "غصن يابس" ينتظر السقوط.

    3. لماذا "يجف"؟ (سيكولوجية الانفصال)

    الجفاف في التراث القديم يرمز إلى "الخلو من المعنى".

    • القانون يحميك من "العقاب"، لكن الحياة تمنحك "النمو".
    • الغصن المنفصل قد يظل شكله "غصناً"، لكنه فقد هويته ووظيفته. لم يعد جزءاً من كيان أكبر، بل أصبح مجرد قطعة خشب مهملة.

    4. الربط مع قصة أخنوخ (لماذا لم يجف؟)

     كان جيل الطوفان مثل "أغصان مقطوعة". كانوا يمتلكون القوة والجمال (الخارجي)، لكنهم كانوا "جافين" روحياً لأنهم انفصلوا عن المصدر (Planāō - ضلوا).

    أما أخنوخ، فكان غصناً يرفض الانفصال. وبسبب هذا الثبات (Menō)، لم تجرِ فيه مجرد حياة عادية، بل جرت فيه "حياة الله" (النار السماوية)، وهذا ما منعه من "الجفاف" أو الموت، وحوّله إلى "ميتاترون" (الغصن الذي صار شجرة كاملة من نور).

    v   الخلاصة:

    فقدان القانون هو "مشكلة إدارية"، أما فقدان الحياة فهو "كارثة وجودية".

    الغصن الذي يثبت، لا يفعل ذلك خوفاً من "القانون" الذي يمنع السقوط، بل رغبة في "الحياة" التي تجري في عروقه وتجعله يثمر.

    ثانياً: الثبات المتبادل (Mutual Abiding)

    لاحظ عبارة "اثبتوا فيّ وأنا فيكم". الكلمة هنا تعني أن السكنى متبادلة. الإنسان يوفر "المكان" لله، والله يوفر "الحياة" للإنسان. هذا أعمق مستويات الاستقرار النفسي والروحي التي يعبر عنها الفعل.

    3. الثبات كشرط للثمر (Fruitfulness)

    يربط النص بين Menō وبين "الثمر". في التحليل اللغوي، الثمر ليس "عملاً" نقوم به، بل هو "نتيجة" للبقاء.

    الشخص الذي "يمكث" في حضور الله، ينتج صلاحاً بشكل تلقائي كما تنتج الكرمة عنباً.

    v  سر تميز أخنوخ عن بقية جيله

    لم يكن فقط في "أعماله"، بل في "مداومته للعلاقة مع الرب".

    جيله كان في حالة "حركة" وانفصال وتخبط (زنى / خروج عن الأصل).

    أما أخنوخ فكان في حالة Menō (ثبات / مكوث / اتصال دائم) مع الله.

    يقول أَسْفَارٌ نَامُوسِ مُوسَى إن أخنوخ كان "يمشي" مع الله، وفي اللغة الصوفية، هذا المشي هو "ثبات في الحركة"؛ أي أن جسده يتحرك في العالم بينما روحه "ماكثة" (menō) في الحضور الإلهي. وهذا هو السبب في أن الله "أخذه"؛ لأن الشخص الذي "يثبت" في الله تماماً، يصبح مكانه الطبيعي هو "حيث يوجد الله".

    v   ملخص فلسفي للكلمة:

    إذا كان فعل Moichaō (الزنى) يمثل "التشتت، الضياع، والانفصال"، فإن فعل Menō (الثبات) يمثل "التركيز، الجوهر، والاتحاد".


    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    Item Reviewed: مفهوم علاقة الثبات بين الإنسان والخالق إعداد د. القس سامي منير اسكندر Rating: 5 Reviewed By: د. القس سامي منير اسكندر
    Scroll to Top