مفهوم علاقة الثبات بين الإنسان والخالق
إعداد
د. القس سامي منير اسكندر
الجزء الثاني
الربط
بكلمة أخرى تتعلق بـ "الرحيل" أو
"الضلال" لنرى التضاد اللغوي الكامل
في التراث القديم؟
لإتمام
اللوحة اللغوية وتحقيق التضاد الكامل مع فعل الثبات (Menō)، يجب أن نستحضر الفعل اليوناني Planāō، وهو الفعل الذي يصف بدقة حالة "الضلال" أو "الرحيل
عن الحق".
الكلمة المقابلة: G4105
- Πλανάω
(Planāō)
الترجمة: يضل، يزيغ، يتوه، أو
يرحل بعيداً عن الطريق الصحيح.
المعنى الفيزيائي: التجول بلا هدف
(مثل الهائم على وجهه).
المعنى الأخلاقي: الانخداع أو
الوقوع في الزيف.
الاشتقاق المثير: من هذه الكلمة
اشتق العالم لفظ "Planet" (كوكب)؛ لأن الأقدمين رأوا الكواكب "أجراماً تائهة" أو "ضالة" في السماء لأن مساراتها تختلف عن النجوم
الثابتة!
التضاد اللغوي والروحي:
الثبات (Menō) ضد الضلال (Planāō)
يمكننا
الآن رؤية الصراع في التراث القديم من خلال هذا الجدول التضادي:
|
وجه المقارنة |
الثبات (Menō - G3306) |
الضلال (Planāō
- G4105) |
|
الحركة |
سكون، استقرار، تجذر. |
حركة عشوائية، رحيل، تيه. |
|
الحالة النفسية |
طمأنينة، يقين، أمان. |
قلق، حيرة، انخداع. |
|
النتيجة |
الثمر (Fruit) والخلود. |
الضياع (Lost) والهلاك. |
|
المثال الأسطوري |
أخنوخ: الذي ثبت في الله. |
جيل الطوفان: الذين ضلوا وراء الأوهام. |
v
الربط العميق في قصة أخنوخ وأساطير اليهود
في
"أساطير اليهود"، يظهر هذا التضاد
بشكل درامي في قصة الملائكة الساقطين (المراقبين):
1) الرحيل عن المسكن (Planāō):
يوصف
الملائكة الساقطون بأنهم "تركوا مسكنهم الخاص" (أو لم يثبتوا فيه). في
اللحظة التي تركوا فيها السماء ليتحدوا ببيئة غريبة عنهم (البشر)، تحولوا من
كائنات "ثابتة" في النور إلى كائنات
"ضالة" في الظلمة.
2) إضلال البشر:
بمجرد
أن ضلَّ هؤلاء الملائكة، بدأوا في ممارسة فعل الـ Planāō على البشر. علموهم السحر والتنجيم، وهو ما
يصفه جينزبرج بأنه "إخراج للبشر من مسار الفطرة الثابتة إلى تيه
الخرافة".
3) أخنوخ.. القطب الثابت:
بينما
كان العالم كله "كواكب ضالة" (Planets/Planāō)، كان أخنوخ هو "النجم الثابت" (Menō). في الأدب الصوفي، يُقال إن أخنوخ عندما
تحول إلى ميتاترون، أصبح هو "المركز" الذي تدور حوله الرتب الملائكية،
لأنه الوحيد الذي لم يبرح حضرة الله.
v
الخلاصة الفلسفية
في
التراث القديم، الخطيئة ليست مجرد "فعل خاطئ"،
بل هي "رحيل" عن المركز.
الزنى (Moichaō): رحيل عن شريك الحياة (خيانة العهد).
الضلال (Planāō): رحيل عن الطريق (تيه العقل).
الثبات (Menō): هو العودة للمركز والمكوث فيه.
أخنوخ
يمثل "الإنسان الكامل" في هذا
التراث لأنه رفض الرحيل (بكل أشكاله) واختار المكوث، فصار هو نفسه
"مكاناً" يسكن فيه مجد الله.
v
"الكلمة الأخيرة":
التي
قيلت في حق هؤلاء الضالين (عقوبة التيه) في
مقابل مكافأة الثبات: نجد أن "الكلمة الأخيرة"
في التراث القديم (سواء في الكتابات الحاخامية أو اليونانية) تتلخص في صراع بين
"الاستئصال" للمتذبذبين و"التتويج" للثابتين.
v
"الكلمة الأخيرة" لكل فريق:
أولاً: في حق الضالين (عقوبة التيه)
الكلمة
الأخيرة التي تصف مصير من اختار Planāō (الضلال) و Moichaō (الخيانة) هي:
G622,
Ἀπόλλυμι,
apollymi (أبـولـيـمـي)
المعنى: الهلاك التام، الضياع
النهائي، أو التدمير.
في الأساطير: جينزبرج يذكر في
"أساطير اليهود" أن الملائكة
الساقطين والجبابرة لم يكن مصيرهم مجرد الموت، بل "المحو
من الوجود" (Excision).
عقوبة التيه: العقوبة هنا ليست
"انتقاماً" بقدر ما هي "نتيجة حتمية". الشخص الذي يصر على "الرحيل" عن مصدر الحياة (الله) ينتهي به الأمر
في مكان "لا وجود فيه"، وهذا هو
جوهر الهلاك في الفكر القديم: أن تصبح لا شيء.
ثانياً: في حق الثابتين (مكافأة الثبات)
الكلمة
الأخيرة التي تُوج بها أخنوخ ومن سار على دربه من أهل الثبات (Menō) هي:
G144,
Ἀφθαρσία,
aphtharsia (أفـثـارسـيـا)
المعنى: عدم الفساد، الخلود،
أو الحالة التي لا تقبل الاضمحلال.
في قصة أخنوخ: هي الكلمة التي
تصف جسده الناري الجديد كـ "ميتاترون".
بما أنه "ثبت" في الله غير الفاسد، انتقلت إليه صفة "عدم الفساد".
المكافأة: المكافأة هنا هي
"الاستقرار النهائي". الشخص الذي رفض "الزنى"
(الانقسام) ورفض "الضلال" (التيه)،
يُكافأ بأن يصبح كائناً "غير قابل للتغيير"، أي أنه وصل إلى قمة الوجود.
لوحة الختام: المقارنة النهائية
|
الفريق |
المسار اللغوي |
الكلمة الأخيرة (المصير) |
الحالة النهائية |
|
الضالون |
Planāō (تيه) + Moichaō (خيانة) |
Apollymi
(هلاك/ضياع) |
العدم: تبدد كالدخان في الريح. |
|
الثابتون |
Menō (مكوث/ثبات) |
Aphtharsia
(عدم فساد) |
الجوهر: صار عموداً في هيكل إلهي. |
تأمل ختامي: إن أخنوخ عندما
صعد إلى السماء، سألته الملائكة: "كيف استطعت
الصمود؟". فأجاب بأن السر لم يكن في قوتي، بل في "تركيزي". العالم كان يركض خلف "الأوهام الضالة"، بينما كنت أنظر إلى "الحقيقة الثابتة".
وبهذا،
تنتهي رحلتنا التي بدأت بالمسيرة مع عمانوئيل وتنتهي بكلمة "ميتاترون" الصعود الممجد، وبينهما هو قرار
الإنسان بين الثبات والضلال.

0 التعليقات:
إرسال تعليق