• اخر الاخبار

    قارن بين مفهوم 'الشيول' (عالم الأموات) وتوصيفاته في سِفْرُ أَيُّوبَ وفي سفر المزامير إعداد د. القس / سامي منير إسكندر

     



    قارن بين مفهوم 'الشيول' (عالم الأموات) وتوصيفاته

    في سِفْرُ أَيُّوبَ وفي سفر المزامير

    إعداد

    د. القس / سامي منير إسكندر

     

    تُعدّ المقارنة بين مفهوم «الشيول» (שְׁאוֹל - Sheol) — أي عالم الأموات أو الهاوية — في سِفري أَيُّوبَ والمزامير واحدة من أكثر الدراسات غنى في اللاهوت الكتابي وأدب الحكمة العبري.

    على الرغم من أن السفرين ينتميان لثقافة لاهوتية ولغوية واحدة ويستخدمان نفس الصورة الشعرية تقريباً لوصف الشيول، إلا أن الزاوية النفسية والهدف اللاهوتي يختلفان جوهرياً بينهما.

    1. الخلفية المشتركة: المعالم العامة للشيول في العهد القديم

    يشترك السفران في تقديم "الشيول" وفق التصور العبري القديم:

    الموقع: أعمق النواحي تحت الأرض (מַעֲמַקֵּי־אֶרֶץ).

    الطبيعة: مكان للظلمة والصمت الساكن (חֹשֶׁךְ / דּוּמָה)، حيث تفقد الأرواح (الخيالات/الـ Rephaim) قواها ونشاطها.

    الحالة: ليس هو "جهنم" بالمعنى التفصيلي للرقاب والترهيب، بل هو المصير الجسدي والمكاني المشترك لجميع البشر (الأبرار والأشرار على حد سواء) قبل اكتمال إعلان القيامة.

    2. الشيول في سِفْرُ أَيُّوبَ: «الملاذ المظلم وإلغاء النظام»

    في سِفْرُ أَيُّوبَ، تخرج وصفية الشيول من صلب تجربة المعاناة الشديدة والشعور بالظلم الإنساني. يُنظر إلى الشيول بـ "ثنائية وجدانية":

    حادة: فهو من جهة مكان مرعب ومظلم،

    ولكنه من جهة أخرى يُطلب كـ ملاذ وملاذ أخيرة للهرب من آلام الجسد وجور الحياة.

    أبرز التوصيفات في سِفْرُ أَيُّوبَ:

    أ. مساواة مطلقة وراحة من الظلم

    «13لأَنِّي قَدْ كُنْتُ الآنَ مُضْطَجِعاً سَاكِناً. حِينَئِذٍ كُنْتُ نِمْتُ مُسْتَرِيحاً 14مَعَ مُلُوكٍ وَمُشِيرِي الأَرْضِ الَّذِينَ بَنُوا أَهْرَاماً لأَنْفُسِهِمْ 15أَوْ مَعَ رُؤَسَاءَ لَهُمْ ذَهَبٌ الْمَالِئِينَ بُيُوتَهُمْ فِضَّةً 16أَوْ كَسِقْطٍ مَطْمُورٍ فَلَمْ أَكُنْ كَأَجِنَّةٍ لَمْ يَرُوا نُوراً. 17هُنَاكَ يَكُفُّ الْمُنَافِقُونَ عَنِ الشَّغَبِ وَهُنَاكَ يَسْتَرِيحُ الْمُتْعَبُون. 18الأَسْرَى يَطْمَئِنُّونَ جَمِيعاً. لاَ يَسْمَعُونَ صَوْتَ الْمُسَخِّرِ. 19الصَّغِيرُ كَمَا الْكَبِيرُ هُنَاكَ وَالْعَبْدُ حُرٌّ مِنْ سَيِّدِهِ»(سِفْرُ أَيُّوبَ3: 13-19).

    الشيول عند أيوب هو المكان الذي تذوب فيه الطبقية الاجتماعية والظلم البشري:

    «17هُنَاكَ يَكُفُّ الْمُنَافِقُونَ عَنِ الشَّغَبِ وَهُنَاكَ يَسْتَرِيحُ الْمُتْعَبُون.... 19الصَّغِيرُ كَمَا الْكَبِيرُ هُنَاكَ وَالْعَبْدُ حُرٌّ مِنْ سَيِّدِهِ».

    ب. أرض العتمة وإلغاء نظام الخلقة

    «21قَبْلَ أَنْ أَذْهَبَ وَلاَ أَعُودَ. إِلَى أَرْضِ ظُلْمَةٍ وَظِلِّ الْمَوْتِ 22أَرْضِ ظَلاَمٍ مِثْلِ دُجَى ظِلِّ الْمَوْتِ وَبِلاَ تَرْتِيبٍ وَإِشْرَاقُهَا كَالدُّجَى»(سِفْرُ أَيُّوبَ10: 21-22).

    يصل وصف الشيول إلى ذروته القاسية عندما يصفه أَيُّوبَ بأنه مكان غياب النظام الإلهي (Anti-Creation): «أَرْضِ ظُلْمَةٍ وَظِلِّ مَوْتٍ... אֶרֶץ עֵפָתָה כְּמוֹ אֹפֶל... וְלֹא סְדָרִים [بلا ترتيب/بلا نظام]»

    المدلول: إذا كانت الخلقة في (سِفْرُ التَّكْوِينِ 1) إيجاداً للنظام من العماء، فالشيول في سِفْرُ أَيُّوبَ هو العودة إلى العماء الأول.

    ج. مخبأ وقتي من غضب الله

    يتمنى أَيُّوبَ أن يخفيه الله في الشيول حتى يعبر غضبه: «13لَيْتَكَ تُوارِينِي فِي الْهَاوِيَةِ (הַשְּׁאוֹלِ) وَتُخْفِينِي إِلَى أَنْ يَنْصَرِفَ غَضَبُكَ وَتُعَيِّنُ لِي أَجَلاً فَتَذْكُرَنِي»(سِفْرُ أَيُّوبَ14: 13).

    3. الشيول في سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ: «الانقطاع عن التسبحة والرجاء الخلاصي»

    في سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ (المصلي والعبادي)، تُصوّر الشيول من خلال علاقة الإنسان بالله والعلاقة الجماعية كشعب الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. المشكلة الكبرى في الشيول لدى صاحب المزمور ليست فقط العتمة، بل توقف لسان المرنم عن حمد الله والانقطاع عن دائرة العهد الإلهي.

    أبرز التوصيفات في سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ:

    أ. غياب التسبحة والذكر الإلهي

    الموت والشيول يعطلان الغاية الأساسية لوجود الإنسان وهي طاعة الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ:

    «5لأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَوْتِ ذِكْرُكَ. فِي الْهَاوِيَةِ مَنْ يَحْمَدُكَ؟»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور6: 5).

    «17لَيْسَ الأَمْوَاتُ يُسَبِّحُونَ الرَّبَّ وَلاَ مَنْ يَنْحَدِرُ إِلَى أَرْضِ السُّكُوتِ (الصمت)»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور115: 17).

    ب. حبائل وشباك محيطة بالمؤمن

    يُصوَّر الشيول كقوة مفترسة أو صياد يلقي بشباكه على المريض أو المضطهد:

    «4اِكْتَنَفَتْنِي حِبَالُ الْمَوْتِ(«חֶבְלֵי שְׁאוֹל סְבָבוּנִי»). وَسُيُولُ الْهَلاَكِ أَفْزَعَتْنِي. 5حِبَالُ الْهَاوِيَةِ حَاقَتْ بِي. أَشْرَاكُ الْمَوْتِ انْتَشَبَتْ بِي»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور18: 4-5)،

    «3اكْتَنَفَتْنِي حِبَالُ الْمَوْتِ («חֶבְלֵי שְׁאוֹל סְבָבוּנִי»). أَصَابَتْنِي شَدَائِدُ الْهَاوِيَةِ. كَابَدْتُ ضِيقاً وَحُزْناً»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور116: 3).

    ج. اختراق السيادة الإلهية وإرهاصات الرجاء

    على عكس العزلة التامة في سِفْرُ أَيُّوبَ، تبدأ المزامير في إعلان أن سلطان الله يتجاوز الشيول، مما يفتح الباب لرجاء الخلاص والقيامة:

    السيادة المطلقة: «8إِنْ صَعِدْتُ إِلَى السَّمَاوَاتِ فَأَنْتَ هُنَاكَ وَإِنْ فَرَشْتُ فِي الْهَاوِيَةِ فَهَا أَنْتَ»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور139: 8)،

    عدم ترك القديس للفساد: «10لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَاداً»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور16: 10)،

    الفداء من الهاوية: «15إِنَّمَا اللهُ يَفْدِي نَفْسِي مِنْ يَدِ الْهَاوِيَةِ لأَنَّهُ يَأْخُذُنِي. سِلاَهْ»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور49: 15).

    4. جدول مقارنة ملخص بين السفرين

    وجه المقارنة

    سِفْرُ أَيُّوبَ

    سفر المزامير

    الزاوبة الرئيسية

    وجودية ونفسية: تجربة الألم والمطالبة بالعدالة.

    عبادية وعهدية: العلاقة مع الله والتسبيح.

    النظرة للشيول

    مكان هادئ ينتهي عنده التعب والظلم البشري (ملاذ).

    حرمان من حمد الله وانقطاع عن التسبحة الجماعية.

    طبيعة المكان

    أرض بلا ترتيب ولا نظام (וְלֹא סְדָרִים)، ظلام مطلق.

    هاوية وشباك وحبال تحيط بالحيّ في مرضه وخوفه.

    حضور الله

    يُرى كاختفاء مؤقت لرب العرش واستراحة من غضبه.

    سيادة إلهية تحيط بالشيول وترفض ترك المؤمن فيه.

    أفق الرجاء

    أفق غامض يتوق للشفيع والمخلص (أي 19: 25).

    أفق واعد بالفداء والافتداء من يد الهاوية (سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور 16، 49).

     

    للتواصل:

    Shamsmasr.jesus@gmail.com

    السابق
    هذه تدوينه الأقدم
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    Item Reviewed: قارن بين مفهوم 'الشيول' (عالم الأموات) وتوصيفاته في سِفْرُ أَيُّوبَ وفي سفر المزامير إعداد د. القس / سامي منير إسكندر Rating: 5 Reviewed By: د. القس سامي منير اسكندر
    Scroll to Top