أَيُّوبَ
والرَّجَاءُ الكَاذِبٌ
إعداد
د. القس سامي منير اسكندر
نص الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ «9هُوَذَا
الرَّجَاءُ بِهِ كَاذِبٌ. أَلاَ يُكَبُّ أَيْضاً بِرُؤْيَتِهِ»(سِفْرُ أَيُّوبَ41: 9).
تُعدّ هذه الآية نقطة
محورية في خطاب الله الثاني لأيوب من العاصفة (الأصحاحات 40–41)، حيث ينتقل الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ من
استعراض عجائب الخلقة إلى التركيز على أحد أعظم المخلوقات وأكثرها رهبة: «لَوِيَاثَانَ»
(Leviathan).
تأتي الآية سِفْرُ أَيُّوبَ41: 9:
لتلخّص عجز الإنسان الكامل أمام قوة هذا الكائن، لتبني من خلال ذلك حجة لاهوتية
وفلسفية عميقة حول حدود القدرة البشرية أمام سيادة
الخالق.
1. السياق
النصي والأدبي
في هذا الجزء من السفر،
يوجه الله كلامه لأيوب ليس ليقدم إجابات نظرية مباشرة عن أسباب الآلام، بل ليعيد
تنظيم رؤية أيوب للكون وللخالق:
· الموضوع: وصف كائن "لوياثان" (الذي يُنظر إليه لغويًا ولاهوتيًا
إما كرمز للكائنات البحرية العملاقة، أو كرمز لاهوتي لقوى الشر والفوضى غير
المروضة في الكون).
· الغرض الأدبي: إبراز الفارق الشاسع
بين ضآلة الإنسان وقدرته المحدودة، وبين قدرة الله السيادية التي تحكم وتضبط أكثر
القوى رعبًا وشراسة.
2.
التحليل اللغوي والتركيبي
عند تفكيك عبارات الآية
في أصلها المعجمي والنصي، نجد دلالات دقيقة:
أ.
«هُوَذَا الرَّجَاءُ بِهِ كَاذِبٌ»
«الرَّجَاءُ بِهِ»: يُقصد به أمل الإنسان في إخضاع
هذا الكائن، أو اصطياده، أو السيطرة عليه.
«كَاذِبٌ»: في العبرية (Nikhzābāh)، وتأتي بمعنى: خائب، باطل، مخادع، أو غير
قائم على أساس حقيقي. أي إن مجرد توهّم الإنسان بقدرته على قهر هذا الكائن هو وهم
كامل ينتهي بالفشل المحتوم.
ب. «أَلاَ
يُكَبُّ أَيْضاً بِرُؤْيَتِهِ»
«يُكَبُّ»: من الفعل الذي يعني الطرح أرضًا أو السقوط
على الوجه الصريع (Yāṭāl / يطرح صريعًا).
«بِرُؤْيَتِهِ»: أي إن المواجهة لا تتطلب حتى الدخول
في معركة أو نضال فعلي؛ بل إن مجرد النظر إليه أو رؤية هيبته كافية لإلقاء الرعب
في قلب الإنسان وإسقاطه صريعًا من شدة الخوف والهول.
3.
الأبعاد التفسيرية واللاهوتية
تتجاوز الآية الوصف
المادي للكائن الحي لتطرح معاني لاهوتية وعميقة:
I. الاستدلال بالشيء الأدنى
على الأعلى (Argument
from the Lesser to the Greater)
الهدف الرئيسي من هذه
الآية هو صياغة منطق تقريعي حكيم لأيوب:
إذا كان الإنسان يعجز عن
مجرد النظر إلى مخلوق من مخلوقات الله دون أن يُكبّ على وجهه رعبًا...فكيف يجرؤ
الإنسان على محاكمة الخالق نفسه أو مطالبته بتقسيم عدالته وفق مقاييسه البشرية؟
II. رمزية "لوياثان"
وقوى الفوضى والشر
في الفكر
القديم واللاهوت الكتابي،
يمثل لوياثان القوى العاتية التي لا يستطيع البشر كبحها (سواء كانت شرورًا
أخلاقية، أو آلامًا كونية، أو ظروفًا خارجة عن السيطرة). تؤكد الآية أن محاولة
الإنسان قهر هذه القوى بقوته الذاتية أو بفهمه المحدود هي "رجاء كاذب". وحده الله هو من يضبط هذا الكائن
ويضع له حدودًا.
III. كسر الكبرياء الذاتي
كان أيوب في دفاعه عن
نفسه يميل أحيانًا إلى وضع قدرته العقلية والأخلاقية في كفة توازي التدبير الإلهي.
تأتي هذه الآية لتعيد رسم الحدود بين الخالق والمخلوق؛ فالإنسان ليس مركز الكون،
وهناك قوى أعمق وأعتى في الوجود لا تخضع لإرادته.
4. التطبيق الروحي والفكري
التواضع
العقلي والروحي:
الاعتراف بوجود مساحات في التدبير الإلهي وفي الكون تتجاوز إدراكنا وقدرتنا على
السيطرة، وأن محاولة إخضاع كل شيء للفهم البشري المادي قد تكون "رجاءً كاذبًا".
أين يوضع
الرجاء الحقيقي؟
إذا كان الرجاء في القوة الذاتية أو في مواجهة قوى العالم الصعبة كاذبًا ومحبطًا،
فإن الرجاء الصادق والوحيد ينبغي أن يستند إلى الضابط الكل، الذي يقع لوياثان ذاته
تحت سلطانه وتدبيره. وهو الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.
للتواصل:

0 التعليقات:
إرسال تعليق