• اخر الاخبار

    النور والظلمة في سِفْرُ التَّكْوِينِ وسِفْرُ إِشَعْيَاءَ إعداد د. القس / سامي منير إسكندر

     

    النور والظلمة في سِفْرُ التَّكْوِينِ وسِفْرُ إِشَعْيَاءَ

    إعداد 

    د. القس / سامي منير إسكندر

     

    تُعد الثنائية الدالة على النور (אוֹר - 'Ôr) والظلمة (חֹשֶׁךְ - Chôshek) من أبرز الثنائيات الضدية في العهد القديم. وعلى الرغم من أن المصطلحين يظهران بقوة في كلا السفرين (تكوين وإشعياء)، إلا أن التضاد الدلالي بينهما يتحول من تضاد تكويني / وجودي (Ontological/Cosmological) في سِفْرُ التَّكْوِينِ إلى تضاد لاهوتي / تدبيري وأسخاتولوجي (Theological/Escatological) في سِفْرُ إِشَعْيَاءَ.

    1. التضاد بين النور والظلمة في سِفْرُ التَّكْوِينِ: البُعد التكويني والوجودي

    في سِفْرُ التَّكْوِينِ، يتجلى التضاد بين النور والظلمة في سياق الخلقة وإعادة الترتيب (Cosmogony).

    أ. الظلمة كحالة سبقت التنظيم والنور كأول أفعال التشكيل

    الظلمة (חֹשֶׁךְ): تُقدم في (تكوين 1: 2) كجزء من حالة «التوهو والבוהو» (הֹהוּ וָבֹהוּ - الفراغ والخلاء)، حيث كانت تغطي وجه الغمر. الظلمة هنا ليست كائناً شيطانياً أو قوة معادية لله، بل هي غياب الشكل والنظام والنور.

    النور (אוֹר): يأتي بالأمر الإلهي المباشر: «לְיְהִי אוֹר» ("ليكن نور" - تكوين 1: 3). النور هو بداية أفعال الخلق والتأطير، وبدونه لا يمكن تمييز الحياة أو تقييم الصلاح.

    ب. مفهوم الفصل والتمييز (הַבְדָּלָה - Habdalah)

    تكوين 1: 4: «וַיַּבְדֵּל אֱלֹהִים בֵּין הָאוֹר וּבֵין הַחֹשֶׁךְ» ("وفصل الله بين النور وبين الظلمة").

    الدلالة: التضاد في التكوين ليس تضاد صراع (Dualism/Gnosticism)، بل تضاد تمييز وتكامل وظيفي. الله لم يبدِ الظلمة تماماً، بل ضبط حدودها؛ فسمى النور نهاراً والظلمة ليلاً (تك 1: 5)، مما أوجد الإيقاع الزمني للوجود الإنساني.

    2. التضاد بين النور والظلمة في سِفْرُ إِشَعْيَاءَ: البُعد الخلاصي والأسخاتولوجي

    في سِفْرُ إِشَعْيَاءَ، يتسع الجذران ليعبرا عن حالات روحيّة، وسياسيّة، وأسخاتولوجية (أُخرويّة). النور يعبر عن الخلاص والحضورة الإلهية، والظلمة تعبر عن الجهل والسبْي والدينونة.

    أ. التضاد الروحي والأخلاقي (الجهل مقابل الإعلان)

    الظلمة كحالة جهل وضياع:

    سِفْرُ إِشَعْيَاءَ 8: 22 — 9: 2 [بالعبرية 8: 22 — 9: 1]:

    «وَإِلَى الأَرْضِ יַנְבُטُونَ، וְהִנֵּה צָרָה וַחֲשֵׁכָה... הָעָם הַהֹלְכִים בַּחֹשֶׁךְ רָאוּ אוֹר גָּדוֹל»

    "والشَّعْبُ السَّالِكُ فِي الظَّלْمَةِ [الضيق والجهل السياسي والروحي] أَبْصَرَ נُوراً عَظِيماً [الخلاص والرجاء]."

    النور كدعوة ورسالة:

    سِفْرُ إِشَعْيَاءَ 42: 6: يُوصف خادم الرب بأنه «אוֹר גּוֹיִם» ("نوراً للأمم"). النور هنا معادل للتعليم، والشريعة، والتحرير من حبس الظلمة (سِفْرُ إِشَعْيَاءَ42: 7).

    ب. التضاد الأخلاقي والتحذير من إزالة التمايز

    مثلما فصل الله في التكوين بين النور والظلمة، يحذر إشعياء من قلب هذه المقاييس الروحية:

    سِفْرُ إِشَعْيَاءَ 5: 20 :

    «הוֹי הָאֹמְרִים לָרַע טוֹב וְלַטּוֹב רָע، שָׂמִים חֹשֶׁךְ לְאוֹר וְאוֹר לְחֹשֶׁךְ»

    " 20وَيْلٌ لِلْقَائِلِينَ لِلشَّرِّ خَيْراً وَلِلْخَيْرِ شَرّاً الْجَاعِلِينَ الظَّلاَمَ نُوراً وَالنُّورَ ظَلاَماً الْجَاعِلِينَ الْمُرَّ حُلْواً وَالْحُلْوَ مُرّاً ".

    الدلالة: الانحراف الأخلاقي هو محاولة لإلغاء الفصل (Habdalah) الذي أقامه الله في البدء.

    ج. السيادة المطلقة لله على الطرفين (مقاومة الثنائية الفارسية)

    في سِفْرُ إِشَعْيَاءَ، يتم التأكيد بوضوح على أن الله هو الخالق الفعلي للظلمة والنور معاً، ردّاً على أي فكر يعتقد بوجود إلهين متصارعين (إله للنور وإله للظلمة):

    سِفْرُ إِشَعْيَاءَ 45: 7

    «יוֹצֵר אוֹר וּבוֹרֵא חֹשֶׁךְ، עֹשֶׂה שָׁלוֹם וּבוֹרֵא רָע»

    "مُصَوِّرُ النُّورِ وَخَالِقُ الظَّلاَمِ، صَانِعُ السَّلاَمِ وَخَالِقُ الشَّرِّ [أي الدينونة/المصائب]."

    د. البُعد الأسخاتولوجي (النور الدائم والأبدي)

    في نهاية سِفْرُ إِشَعْيَاءَ، يتجاوز النور مفهوم الشمس والقمر الفيزيائيين ليكون هو حضور الله المباشر:

    سِفْرُ إِشَعْيَاءَ60: 19-20 :

    «لاَ تَكُونُ לَكِ الشَّמْسُ بَعْدُ نُوراً فِي النَّהَارِ... בَّלְ יִהְיֶה־לָךְ יְהוָה לְאוֹר עוֹלָם»

    "19لاَ تَكُونُ لَكِ بَعْدُ الشَّمْسُ نُوراً فِي النَّهَارِ وَلاَ الْقَمَرُ يُنِيرُ لَكِ مُضِيئاً بَلِ الرَّبُّ يَكُونُ لَكِ نُوراً أَبَدِيّاً وَإِلَهُكِ زِينَتَكِ. 20لاَ تَغِيبُ بَعْدُ شَمْسُكِ وَقَمَرُكِ لاَ يَنْقُصُ لأَنَّ الرَّبَّ يَكُونُ لَكِ نُوراً أَبَدِيّاً وَتُكْمَلُ أَيَّامُ نَوْحِكِ"".

    3. جدول مقارنة دلالي بين السفرين

    وجه المقارنة

    سِفْرُ التَّكْوِينِ

    سِفْرُ إِشَعْيَاءَ

    سياق التضاد

    تكويني، فيزيائي، تنظيمي للكون.

    لاهوتي، أخلاقي، وسياسي-خلاصي.

    طبيعة الظلمة (חֹשֶׁךְ)

    حالة عماء سبقت الترتيب، ثم أصبحت "ليلاً" لوقت الراحة.

    رمز للجهل الروحي، السبي، الضيق، والدينونة.

    طبيعة النور (אוֹר)

    أولى أدوات الخلق والمقتضى الأساسي للرؤية والحياة.

    رمز للمعرفة الروحية، الخلاص، شخص المسيح/الخادم، والرجاء.

    العلاقة بينهما

    فصل وتكامل وظيفي (نهار وليل).

    صراع بين الشَرّ والخير، ينتهي بغلبة النور الأبدي.

    النهاية والمآل

    استمرار الدورة الزمنية (نهار وليل / تك 8: 22).

    تلاشي الظلمة وزوال الحاجة للشمس، ليصير الرب هو النور الأبدي (إش 60: 19).

     

    للتواصل:

    Shamsmasr.jesus@gmail.com


    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    Item Reviewed: النور والظلمة في سِفْرُ التَّكْوِينِ وسِفْرُ إِشَعْيَاءَ إعداد د. القس / سامي منير إسكندر Rating: 5 Reviewed By: د. القس سامي منير اسكندر
    Scroll to Top