الفكر اللاهوتي الذي يربط بين العهدين
إعداد
د. القس / سامي منير إسكندر
تُعدّ معالجة الرسول بولس لقضية «لعنة الناموس» في «10لأَنَّ
جَمِيعَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَعْمَالِ النَّامُوسِ هُمْ تَحْتَ لَعْنَةٍ،
لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ
فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ». 11وَلَكِنْ
أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَتَبَرَّرُ بِالنَّامُوسِ عِنْدَ اللهِ فَظَاهِرٌ، لأَنَّ
«الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا». 12وَلَكِنَّ
النَّامُوسَ لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ، بَلِ «الإِنْسَانُ الَّذِي يَفْعَلُهَا
سَيَحْيَا بِهَا». 13اَلْمَسِيحُ
افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ
مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ». 14لِتَصِيرَ
بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِنَنَالَ بِالإِيمَانِ
مَوْعِدَ الرُّوحِ،»(رِّسَالَةُ بُولُسَ
الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ غَلاَطِيَّةَ3: 10–14).
الذروة اللاهوتية التي
تربط بين الفكر المفهومي السامي للعهد
القديم (المتمثل في كلمة מְאֵרָה
- Me’êrâh)
والفكر الخلاصي باللغة اليونانية في العهد الجديد (المتمثل في كلمة κατάρα
- Katara).
يقوم الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ
برهاناً كتابياً متماسكاً يوضح كيف اختُزل سخط الشريعة ودينونتها في شخص الرَّبِّ
يَسُوعَ الْمَسِيحِ على الصليب ليتحول هذا
المحق إلى بركة.
1. التجسير اللغوي والمفهومي: من Me’êrâh إلى Katara
عندما اقتبس بولس نصوص الشريعة، اعتمد على الترجمة
السبعينية (LXX)
التي نقلت المفاهيم العبرية إلى اليونانية:
العبرية (מְאֵרָה / אָרַר):
تشير لغوياً ولاهوتياً إلى الحرمان القضائي، التقييد، وسحب الحضور الإلهي الواقي
نتيجة نقض العهد.
اليونانية (κατάρα / κατάρατος):
نقلت السبعينية هذا المعنى بدقة عبر الجذر κατάρα
(Katara
= لعنة/سخط) والمشتق ἐπικατάρατος
(Epikataratos = ملعون / موضع لعنة).
بالنسبة لبولس، فإن الـ Katara ليست مجرد كلمة يونانية للشتيمة، بل هي الحامل
اللاهوتي المباشر لمفهوم الـ Me'êrâh العبري؛ أي حالة الشؤم والقحط والدينونة الصادرة عن الشريعة
المقادسة.
2. البنية المنطقية للجدل في رِّسَالَةُ
بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ غَلاَطِيَّةَ3: 10-14
يبني بولس حجته في خمس خطوات متسلسلة بدقة:
معادلة الفداء من اللعنة في رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى
أَهْلِ غَلاَطِيَّةَ 3
1)
حتمية اللعنة ←
جميع الذين من أعمال الناموس تحت لعنة (Katara / Me'êrâh).
2) النص التأسيسي ← "מָרוּר / ἐπικατάρατος"
كل من لا يثبت في جميع ما هو مكتوب.
3) عجز الإنسان ← لا
أحد يحفظ الناموس كلياً، فالجميع صاروا تحت الدينونة.
4) فعل الفداء ← الرَّبِّ
يَسُوعَ الْمَسِيحِ "اشترانا / ἐξηγόρασεν"
صائراً لعنة
(Katara) لأجلنا.
5) النتيجة العهدية ← انتقال
"بركة إبراهيم" للأمم، وحلول الروح الموعود بالإيمان.
3. التحليل التفسيري
واللاهوتي للنصوص
أ. واقع اللعنة وحتميتها
«10لأَنَّ
جَمِيعَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَعْمَالِ النَّامُوسِ هُمْ تَحْتَ لَعْنَةٍ (κατάραν
/ Katara)،
لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ «مَلْعُونٌ (ἐπικατάρατος)
كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا
هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ غَلاَطِيَّةَ3:
10).
يقوم الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ
هنا باقتباس بسِفْرُ اَلَتَّثْنِيَة27: 26: »26مَلعُونٌ مَنْ لا يُقِيمُ كَلِمَاتِ هَذَا النَّامُوسِ
لِيَعْمَل بِهَا. وَيَقُولُ جَمِيعُ الشَّعْبِ: آمِينَ».
في العهد القديم، كانت الـ Me’êrâh (والـ Katara في اليونانية) هي النتيجة التلقائية لعدم الطاعة الكاملة. وبما أن
الناموس يتطلب طاعة شمولية ومطلقة، وحيث إن الإنسان عاجز عن ذلك، فقد أصبحت
البشرية بأسرها "محصورة تحت اللعنة".
ب. الرَّبِّ
يَسُوعَ الْمَسِيحِ كبديل
كفاري:
"صار لعنة لأجلنا"
«13اَلْمَسِيحُ
افْتَدَانَا (ἐξηγόρασεν)مِنْ
لَعْنَةِ (κατάρας)
النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً (κατάρα)
لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ
(ἐπικατάρατος)كُلُّ مَنْ
عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ»(رِّسَالَةُ بُولُسَ
الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ غَلاَطِيَّةَ3:
13).
تُعدّ هذه الآية جوهر اللاهوت البولسي في الفداء
البدالي، ويظهر فيها الربط المباشر بين المفهومين:
1. فعل الشراء/الفداء (ἐξαγοράζω): دفع الثدي أو الفدية لإعتاق عبيد محكوم عليهم. الفدية هنا كانت
تحرير الإنسان من سلطة وقضاء الـ Me’êrâh
/ Katara.
2.
"صار لعنة" (γενόμενος ὑπὲρ ἡμῶν κατάρα):
لم يقل الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ
إن الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ "لُعن"،
بل استخدم الاسم المجرد (κατάρα - لعنة). هذا يعني أن الرَّبِّ
يَسُوعَ الْمَسِيحِ في تجسده وموته تجسد في موقع اللعنة ذاته؛ حَمَل في
شخصه الجسدي والنفسي كل ثقل الـ Me'êrâh (الانفصال، الظلمة، القحط، وسخط الدينونة) التي كانت موجهة ضد
البشرية الناقضة للعهد.
3.
الاقتباس من
«23فَلا تَبِتْ جُثَّتُهُ عَلى
الخَشَبَةِ بَل تَدْفِنُهُ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ لأَنَّ المُعَلقَ مَلعُونٌ مِنَ
اللهِ. فَلا تُنَجِّسْ أَرْضَكَ التِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ نَصِيباً»(سِفْرُ اَلَتَّثْنِيَة21:
23). كان المصلوب أو المعلق في الفكر اليهودي يُعتبر نَجِساً ومطروداً من جماعة
العهد ومقطوعاً من بركة الأرض. بذهاب الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ إلى الصليب
(الخشبة)، أخذ وضعية "المطرود والمرفوض"
طوعاً.
ج. الغاية والنتيجة: تحويل اللعنة إلى
بركة
«14لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ
لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِنَنَالَ بِالإِيمَانِ مَوْعِدَ الرُّوحِ،»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ غَلاَطِيَّةَ3:
14).
هنا تظهر المقابلة اللاهوتية التامة التي أشار إليها
معجم TWOT
وسفر المزامير والأمثال:
|
حالة الإنسان
تحت الناموس |
حالة الإنسان
في الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ |
|
الـ Me’êrâh / Katara (اللعنة، القحط، التقييد، الحرمان من الحضور الإلهي). |
الـ Berâchâh / Eulogia (البركة، الشبع، انسكاب الروح القدس). |
|
استحقاق الموت
والقطع بسبب كسر العهد. |
نوال وعد الروح
بالحياة والتبني عبر الإيمان. |
4. الخلاصة اللاهوتية
ارتباط مفهوم מְאֵרָה (Me'êrâh) بـ κατάρα (Katara) في لاهوت بولس يكمن في الآتي:
1.
الـ
Me’êrâh
أراحتنا من فهم اللعنة كسطحية أو مجرد كلام؛ فهي حالة وجودية وقضائية من التلف
والانفصال عن الله تجلبها الشريعة على الناقضين.
2.
الـ
Katara
في رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ غَلاَطِيَّةَ 3 أظهرت كيف أن الرَّبِّ
يَسُوعَ الْمَسِيحِ ،
بكونه البار الوحيد الذي لا يستحق اللعنة، أخذ مكان الإنسان تحت الـ Me'êrâh وأمتص سخطها الكامل على الخشبة.
3.
التبادل
العظيم (The Great Exchange): امتص الرَّبِّ يَسُوعَ
الْمَسِيحِ اللعنة (Katara
/ Me'êrâh) بالكامل وأبطل مفعولها، لكي يُفاض بدلها
البركة (Berâchâh) وعطية الروح القدس لكل من يؤمن.
للتواصل:
0 التعليقات:
إرسال تعليق