الانتظار والرجاء في الإعلان الإلهي المكتوب
إعداد
د. القس سامي منير إسكندر
الجزء الرابع
17) مثال
إبراهيم
الله أعطى إبراهيم وعدًا: «2فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ
وَتَكُونَ بَرَكَةً»(سِفْرُ التَّكْوِينِ12: 2).
لكن تحقيق الوعد بالنسل لم يكن
فوريًا. بل طال الانتظار.
ومع ذلك يقول الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ
الْمَكْتُوبُ([1]):
«18فَهُوَ
عَلَى خِلاَفِ الرَّجَاءِ آمَنَ عَلَى الرَّجَاءِ لِكَيْ
يَصِيرَ أَباً لأُمَمٍ كَثِيرَةٍ كَمَا قِيلَ: «هَكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ رُومِيَةَ4: 18). هذه عبارة مذهلة. »عَلَى
خِلاَفِ الرَّجَاءِ« من ناحية الظروف.
لكن: »آمن على الرجاء« من ناحية الله.
أي أن الظروف كانت تقول: لا يوجد سبب طبيعي للرجاء.
لكن الله كان يقول: أنا صاحب الوعد. وهنا يصبح الله نفسه أساس الرجاء.
18) »الشهوة المتممة» لا تعني مجرد
الحصول على الشيء
أحيانًا عندما يتحقق الأمر الذي انتظرناه نكتشف شيئًا أعمق:
لم يكن الشيء وحده هو ما نحتاجه، بل ما كنا نبحث عنه وراء
الشيء.
مثلاً:
إنسان يريد نجاحًا.
قد يكتشف بعد نجاحه أنه كان يبحث عن:
القيمة.
شخص يريد علاقة.
قد يكتشف أنه كان يبحث عن:
القبول.
شخص يريد المال.
قد يكتشف أنه كان يبحث عن:
الأمان.
وهنا تظهر أهمية التمييز الروحي: ما الذي أطلبه؟
ثم:
لماذا أطلبه؟
ثم:
ماذا أعتقد أن هذا الشيء سيعطيني؟
ثم:
هل الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ يستطيع أن يعطيني أصل ما أبحث عنه؟
19) الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ هو التحقيق الأعظم للرجاء
وهنا نصل إلى المستوى المسياني للآية.
إعلان الله في الإِنْجِيل ينقل الرجاء من مجرد أشياء ننتظرها إلى
شخص ننتظره.
يقول الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ([2]):
«27الَّذِينَ
ارَادَ اللهُ انْ يُعَرِّفَهُمْ مَا هُوَ غِنَى مَجْدِ هَذَا السِّرِّ فِي
الأُمَمِ، الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ رَجَاءُ
الْمَجْدِ»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ كُولُوسِّي1: 27).
لاحظ:
ليس فقط:
الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ يعطي رجاءً.
بل:
»الْمَسِيحُ...رَجَاءُ الْمَجْدِ«.
الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ نفسه هو الرجاء.
ولهذا يستطيع المؤمن أن ينتظر دون أن ينهار، لأن أساس رجائه
ليس الظروف بل شخص الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.
20) »شجرة الحياة» تجد كمالها في الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ والحياة الأبدية
صورة شجرة الحياة تبدأ في عدن وتظهر مرة أخرى في رؤيا.
وفي الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ نصل إلى استعادة الحياة التي فقدها الإنسان بالسقوط.
يقول الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ([3]):
«2فِي وَسَطِ سُوقِهَا وَعَلَى النَّهْرِ
مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ شَجَرَةُ حَيَاةٍ تَصْنَعُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ
ثَمَرَةً، وَتُعْطِي كُلَّ شَهْرٍ ثَمَرَهَا، وَوَرَقُ الشَّجَرَةِ لِشِفَاءِ
الأُمَمِ»(سِفْرُ رُؤْيَا
يُوحَنَّا اللاَّهُوتِيِّ22: 2).
لذلك يمكننا أن نرى الآية ضمن القصة الكتابية الكبرى:
شجرة الحياة في عدن → سقوط الإنسان → انتظار الفداء → مجيء الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ → الحياة الجديدة → شجرة الحياة في أورشليم السماوية.
وهكذا فإن أعظم «تحقيق للرجاء» في الإِعْلاَنِ
الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ
(الكتاب المقدس) ليس الحصول على شيء أرضي، بل الوصول إلى الحياة في الله.
21) كيف أعيش أمثال 13: 12 عمليًا؟
عندما تكون في فترة انتظار، جرّب هذه الخطوات:
أولًا: سمِّ الشيء الذي تنتظره: لا تجعل الانتظار شعورًا غامضًا.
قل: »أنا أنتظر كذا«.
ثانيًا: اسأل: هل هو وعد كتابي أم رغبة شخصية؟
هذه نقطة فارقة.
إذا كان وعدًا واضحًا من الله، أتمسك به.
أما إذا كان رغبة شخصية، فأضعها أمام الله وأقول:
»لتكن مشيئتك«.
ثالثًا: لا تجعل التأخير تفسيرًا لمحبة الله
تأخر الإجابة لا يعني تأخر محبة الله.
رابعًا: لا تجعل النتيجة هي مصدر قيمتك
إذا كان تحقيق الأمر هو الشيء الوحيد الذي سيجعلك تشعر أنك
محبوب أو ذو قيمة، فالانتظار سيصبح مدمرًا.
خامسًا: استخدم فترة الانتظار في التشكيل
اسأل:
ماذا يريد الله أن يبني فيَّ أثناء انتظاري؟
وليس فقط:
متى سيعطيني ما أريد؟
سادسًا: تعلّم الصلاة التي قالها المسيح
«لِتَكُنْ لا إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ.»
هذه ليست صلاة استسلام سلبي، بل ثقة عميقة في صلاح الآب.
22) خلاصة ونهاية الآية في جملة واحدة
يمكن تلخيص أمثال 13: 12 هكذا:
الرجاء الذي يطول انتظاره قد يرهق القلب، لكن عندما يأتي
التحقيق بعد الانتظار يتحول الألم إلى فرح؛ لذلك لا تجعل انتظارك قائمًا على
النتيجة، بل اجعل الله نفسه أساس رجائك.
والأعمق من ذلك:
الانتظار يكشف القلب، والصبر يشكّل القلب، والإيمان يحفظ
القلب، وتحقيق الرجاء ينعش القلب.
وهذا يجعل أمثال 13: 12 متصلًا جدًا ب«3وَلَيْسَ
ذَلِكَ فَقَطْ بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضاً فِي الضِّيقَاتِ عَالِمِينَ أَنَّ الضِّيقَ
يُنْشِئُ صَبْراً 4وَالصَّبْرُ
تَزْكِيَةً وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً 5وَالرَّجَاءُ
لاَ يُخْزِي لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ
الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا»(رِّسَالَةُ بُولُسَ
الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ رُومِيَةَ5: 3–5):
»الضِّيقُ يُنْشِئُ صَبْرًا، وَالصَّبْرُ تَزْكِيَةً، وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً، وَالرَّجَاءُ لا يُخْزِي«.
فالمعادلة الروحية تصبح:
تأخير → اختبار → صبر → تزكية → رجاء أعمق → ثبات في الله.
وهنا المفارقة الجميلة:
الرجاء المُمَاطَل قد يُمرض القلب،
لكن الله يستطيع أن يستخدم فترة الانتظار نفسها لكي ينقل القلب من رجاءٍ في «شيء»
إلى رجاءٍ في «الله».
للتواصل:
0 التعليقات:
إرسال تعليق