• اخر الاخبار

    لاهوت الْعَهْد الجزء الخامس: وعد الأرض إعداد د. القس سامي منير إسكندر

     

    لاهوت الْعَهْد

    الجزء الخامس: وعد الأرض

    إعداد

    د. القس سامي منير إسكندر

     

    v  وعد الأرض سِفْرُ التَّكْوِينِ15

    «7وَقَالَ لَهُ: «أَنَا الرَّبُّ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أُورِ الْكِلْدَانِيِّينَ لِيُعْطِيَكَ هَذِهِ الأَرْضَ لِتَرِثَهَا»(سِفْرُ التَّكْوِينِ15: 7). الله يذكر أبرام بأعمال نعمته السابقة. فالإيمان بالمستقبل يعتمد على تذكر أمانة الله في الماضي.

    تُشكل الآية السابعة من الإصحاح الخامس عشر في سفر التكوين: «أَنَا الرَّبُّ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أُورِ الْكِلْدَانِيِّينَ لِيُعْطِيَكَ هَذِهِ الأَرْضَ لِتَرِثَهَا»، مفتاحاً لاهوتياً وعملياً لبناء الإيمان.

    فبعد أن أعلن الله في الآية السابقة «6فَآمَنَ بِالرَّبِّ (يَسُوعَ الْمَسِيحِ) فَحَسِبَهُ لَهُ بِرّاً»(سِفْرُ التَّكْوِينِ15: 6)، التبرير بالإيمان، ينتقل فوراً لتثبيت هذا الإيمان عبر استدعاء أمانته ونعمته السابقة. الله هنا لا يطالب إبراهيم بإيمان معلق في الفراغ، بل يُذكره بالتاريخ الشديد الواقعية الذي اختبره بنفسه: الإخراج السامي من «أور الكلدانيين». تذكُّر أمانة الله في الماضي هو الوقود الحقيقي للإيمان بالمستقبل. عندما يواجه الإنسان تحديات أو وعوداً تبدو مستحيلة، يأتيه صوت الله ليذكّره ببداية الرحلة، تماماً كما فعل مع أبرام. الله لا يذكر التاريخ لمجرد سرد الأحداث، بل ليبني جسر ثقة يربط بين ما صنعه بالأمس وما سيصنعه غداً.

    فيما يلي تحليلي لاهوتي لهذه القاعدة الكتابية: «الإيمان بالمستقبل يعتمد على تذكر أمانة الله في الماضي»، مدعماً بالآيات والشواهد والمراجع الفكرية واللاهوتية:

    1. البُعد اللاهوتي واللغوي للنص (تكوين 15: 7)

    الصيغة التعريفية الإلهية: صيغة «أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكَ الَّذِي...» تُماثل تماماً مقدمة الوصايا العشر لاحقاً: «2أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ»(سِفْرُ اَلْخُرُوجُ20: 2). الله يُعرّف نفسه بأعماله التاريخية الملموسة.

    «7وَقَالَ لَهُ: «أَنَا الرَّبُّ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أُورِ الْكِلْدَانِيِّينَ لِيُعْطِيَكَ هَذِهِ الأَرْضَ لِتَرِثَهَا»(سِفْرُ التَّكْوِينِ15: 7).

    «45إِنِّي أَنَا الرَّبُّ الَّذِي أَصْعَدَكُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ لِيَكُونَ لَكُمْ إِلَهاً. فَتَكُونُونَ قِدِّيسِينَ لأَنِّي أَنَا قُدُّوسٌ»(سِفْرُ اَللاَّوِيِّينَ11: 45).

    «13وَأَنْتَ تُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: سُبُوتِي تَحْفَظُونَهَا لأَنَّهُ عَلاَمَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فِي أَجْيَالِكُمْ لِتَعْلَمُوا أَنِّي أَنَا الرَّبُّ الَّذِي يُقَدِّسُكُمْ»(سِفْرُ اَلْخُرُوجُ31: 13).

    «3وَأُعْطِيكَ ذَخَائِرَ الظُّلْمَةِ وَكُنُوزَ الْمَخَابِئِ لِتَعْرِفَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ الَّذِي يَدْعُوكَ بِاسْمِكَ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ»(سِفْرُ إِشَعْيَاءَ45: 3).

    «23وَيَكُونُ الْمُلُوكُ حَاضِنِيكِ وَسَيِّدَاتُهُمْ مُرْضِعَاتِكِ. بِالْوُجُوهِ إِلَى الأَرْضِ يَسْجُدُونَ لَكِ وَيَلْحَسُونَ غُبَارَ رِجْلَيْكِ فَتَعْلَمِينَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ الَّذِي لاَ يَخْزَى مُنْتَظِرُوهُ»(سِفْرُ إِشَعْيَاءَ49: 23).

    «12فَتَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ الَّذِي لَمْ تَسْلُكُوا فِي فَرَائِضِهِ وَلَمْ تَعْمَلُوا بِأَحْكَامِهِ, بَلْ عَمِلْتُمْ حَسَبَ أَحْكَامِ الأُمَمِ الَّذِينَ حَوْلَكُمْ»(سِفْرُ حِزْقِيَال11: 12).

    2) المفهوم اللاهوتي والروحي للتذكر (Anamnesis)

    في الفكر الكتابي، «التذكر» ليس مجرد عملية عقلية لاسترجاع معلومات قديمة، بل هو إحياء فاعل لقوة الله في الحاضر.

    تأسيس اليقين: عندما يذكر الله أبرام بأنه أخرجه من «أور الكلدانيين»، هو يقول له: «إن الإله الذي ملك القدرة على تغيير مسار حياتك بالكامل ونقلك من أرض الأوثان، يملك نفس القدرة الآن ليعطيك هذه الأرض ميراثاً».

    محاربة الخوف والاستسلام: الذاكرة الضعيفة تولد إيماناً مهتزاً. النسيان هو الثغرة التي يتسلل منها الشك (كما حدث مع شعب إسرائيل في البرية عندما نسوا ضربات مصر وشق البحر).

    الربط بين الماضي والمستقبل:

    الماضي: «أَخْرَجَكَ مِنْ أُورِ» (عمل النعمة السابق والدعوة الابتدائية).

    المستقبل: «لِيُعْطِيَكَ هَذِهِ الأَرْضَ لِتَرِثَهَا» (الوعد والوراثة المستقبليّة).

    الرابط: التاريخ السالف يُصبح الضمانة والرهن لتحقيق الوعد الآتي.

    3) ذاكرة الإيمان في نصوص العهدين (الأدلة الكتابية)

    التذكر الكتابي ليس مجرد إناءٍ للذكريات أو استعادة عاطفية، بل هو «تذكر فَعّال» يولد ثقة ورجاءً حياً أمام التحديات الحاضرة والمستقبلية.

    ا) موسى وتوصيات الوصية المتكررة: «اذكر»

    قبل دخول أرض كنعان، شدد موسى على الشعب أن سر نجاحهم مستقبلاً هو عدم نسيان الماضي:

    «9إِنَّمَا احْتَرِزْ وَاحْفَظْ نَفْسَكَ جِدّاً لِئَلا تَنْسَى الأُمُورَ التِي أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ وَلِئَلا تَزُول مِنْ قَلبِكَ كُل أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَعَلِّمْهَا أَوْلادَكَ وَأَوْلادَ أَوْلادِكَ»(سِفْرُ اَلَتَّثْنِيَة4: 9).

    «18فَلا تَخَفْ مِنْهُمُ. اذْكُرْ مَا فَعَلهُ الرَّبُّ إِلهُكَ بِفِرْعَوْنَ وَبِجَمِيعِ المِصْرِيِّينَ»(سِفْرُ اَلَتَّثْنِيَة7: 18).

    ب) داود وجاليات (المواجهة بالإيمان القائم على الاختبار السابق

    عندما واجه داود الجبار جاليات، لم يرتكز على شجاعة مجردة، بل استدعى ذاكرة أمانة الله في الماضي: «الرَّبُّ الَّذِي أَنْقَذَنِي مِنْ يَدِ الأَسَدِ وَمِنْ يَدِ الدُّبِّ هُوَ يُنْقِذُنِي مِنْ يَدِ هَذَا الْفِلِسْطِينِيِّ» (1 صموئيل 17: 37). (الأسد والدُّب هما «أور الكلدانيين» الخاصة ب داود؛ والنصرة السابقة هي جسر العبور للنصرة اللاحقة). عندما واجه داود جليات، لم يعتمد على شجاعة لحظية، بل على «دفتر حسابات» أمانة الله.

    ج) المزامير: تحويل الأزمات عبر تذكر أعمال الرب

    في مزمور 77، يمر المرنم بأزمة شك ونفس كئيبة، لكن النقطة الفاصلة في المزمور تبدأ عندما يقرر استدعاء الذاكرة الإلهية في أوقات الضيق الشديد، كان المرنم يلجأ فوراً إلى استرجاع معاملات الله السابقة ليغلب اليأس: «11أَذْكُرُ أَعْمَالَ الرَّبِّ إِذْ أَتَذَكَّرُ عَجَائِبَكَ مُنْذُ الْقِدَمِ 12وَأَلْهَجُ بِجَمِيعِ أَفْعَالِكَ وَبِصَنَائِعِكَ أُنَاجِي. 13اَللهُمَّ فِي الْقُدْسِ طَرِيقُكَ. أَيُّ إِلَهٍ عَظِيمٌ مِثْلُ اللهِ!»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور77: 11-13).

    «أَيَّامَ الْقِدَمِ. لَهَجْتُ بِكُلِّ أَعْمَالِكَ. بِصَنَائِعِ يَدَيْكَ أَتَأَمَّلُ»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور143: 5).

    ج. إرميا ونواح الصدمة (المرائي)

    وسط خراب أورشليم وسقوطها، يتأسس الرجاء من وسط الرماد عبر التذكر: «21أُرَدِّدُ هَذَا فِي قَلْبِي مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْجُو. 22إِنَّهُ مِنْ إِحْسَانَاتِ الرَّبِّ أَنَّنَا لَمْ نَفْنَ لأَنَّ مَرَاحِمَهُ لاَ تَزُولُ. 23هِيَ جَدِيدَةٌ فِي كُلِّ صَبَاحٍ. كَثِيرَةٌ أَمَانَتُكَ»(سِفْرُ مَرَاثِي إِرْمِيَا3: 21-23).

    د) العهد الجديد (أمانة الله كضمانة مطلقة)

    الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ([1]): يطبق نفس المبدأ ليمنح المؤمنين سلاماً للمستقبل:

    «32الَّذِي لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ يَهَبُنَا أَيْضاً مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ رُومِيَةَ8: 32). هنا يُستخدَم الحدث الأعظم في الماضي (الصليب) كبرهان على عطايا المستقبل.

    «6وَاثِقاً بِهَذَا عَيْنِهِ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحاً يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ فِيلِبِّي1: 6). نفس المنطق؛ فنِعمة الماضي (بَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحاً) هي الضمان الأكيد لمستقبل الكمال (كل البركات).

    3. التحليل المفهومي: لماذا يعتمد إيمان المستقبل على ذاكرة الماضي؟

    1.  الذات الإلهية غير المتغيرة: بما أن الله سرمدي ولا يتغير («أَنَا الرَّبُّ لاَ أَتَغَيَّرُ»(سِفْرُ مَلاَخِي3: 6)، فإن سلوكه وأمانته في الماضي هي التعبير الطبيعي عن جوهره، وما فعله بالنعمة سابقاً هو ما سيفعله مستقبلاً.

    2.  علاج الخوف الإنساني والنسيان: الطبيعة البشرية تميل إلى النسيان تحت ضغط التجربة الحالية. لذا، أقام الله في العهد القديم «حجارة شهادة» (مثل يوشع 4) ومواسم أعياد (كالفصح) لتكون ممارسات لتنشيط الذاكرة الروحية ضد مرض «النسيان الروحي».

    3.  التأسيس التاريخي للإيمان المسيحي: الإيمان الكتابي ليس فلسفة نابعة من أفكار تجريدية، بل هو إيمان متجذر في أحداث تاريخية خَلاصيّة (الخروج، التجسم، الصليب، والقيامة). الذكرى هنا تثبت الإيمان في واقعه التاريخي الصلب.

    4. مراجع لاهوتية للتوسع والدراسة

    للتعمق أكثر في لاهوت «الذاكرة والأمانة الإلهية» وتطبيقاتها في سفر التكوين والكتاب المقدس، يُمكن الرجوع إلى المراجع التالية:

    1.   G. Von RadOld Testament Theology (Volume 1 & 2):

    يناقش فون راد كيف أن اللاهوت العبري هو لاهوت «تذكر وتلاوة لأعمال الله التاريخية»

    (Recital of Salvation History / Heilsgeschichte).

    2.   Brevard S. ChildsMemory and Tradition in Israel (Studies in Biblical Theology):

    دراسة عميقة وشاملة لمفهوم الفعل العبري זָכַר (Zakar يذكر / تذكُّر)، وكيف أن «التذكر» في الكتاب المقدس ليس مجرد استحضار ذهني بل هو مشاركة فعلية في قوة العمل الإلهي السابق.

    3.   Walter BrueggemannGenesis (Interpretation: A Bible Commentary for Teaching and Preaching):

    يتناول ببراعة تحليل تكوين 15، وينوه إلى كيف يقدم الله نفسه لإبراهيم كـ "المحرر" الذي سبق واقتطعه من الماضي (أور الكلدانيين) ليقوده إلى آفاق المستقبل.

    4.   John PiperFuture Grace: The Purifying Power of the Promises of God:

    يخصص أجزاءً مهمة لشرح كيف أن الإيمان بالنعمة المستقبلية (Future Grace) يتغذى ويتأسس بالكامل على الشكر واليقين النابع من النعمة الماضية (Past Grace).

    5.   C. Keil & F. DelitzschCommentary on the Old Testament (Volume 1: Pentateuch):

    لشرح المضمون اللغوي والجامع لآيات تكوين 15 والتتابع بين البر بالإيمان والتأكيد عبر إعلان اسم الرب وأعماله.

     

    1.   التفاسير الآبائية والكتابية:

    تفسير سفر التكوين (الإصحاح 15) - القمص تادرس يعقوب ملطي (يركز على مفهوم النعمة السابقة وإخراج أبرام من ظلمة الأوثان).

    شرح أسفار موسى الخمسة - الأرشيدياكون نجيب جرجس.

    2.   الكتب اللاهوتية الروحية:

    كتاب «حياة الإيمان» -البابا شنودة الثالث (يتناول بالتفصيل كيف ينمو الإيمان بناءً على الاختبارات السابقة مع الله).

    كتاب "Knowing God" (معرفة الله) - للّاهوتي جي. آي. باكر (J.I. Packer)، وتحديداً الفصول التي تتحدث عن أمانة الله وثبات صفاته (God's Unchangeableness).

    3.   الدراسات اللاهوتية العالمية:

    "The Faith of Abraham" في تفاسير العهد القديم مثل (Word Biblical Commentary) أو (Genesis) للمفسر جون فَنْهَام  (John Wenham)، حيث يشرح كيف أسس الله العهد مع إبراهيم بناءً على «النعمة المبادرة" (Prevenient Grace).



    [1] الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ = الكتاب المقدس



    للتواصل:

    Shamsmasr.jesus@gmail.com



    السابق
    هذه تدوينه الأقدم
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    Item Reviewed: لاهوت الْعَهْد الجزء الخامس: وعد الأرض إعداد د. القس سامي منير إسكندر Rating: 5 Reviewed By: د. القس سامي منير اسكندر
    Scroll to Top