• اخر الاخبار

    جبال مؤاب إعداد د. القس سامي منير اسكندر

     


    جبال مؤاب

    إعداد

    د. القس سامي منير اسكندر

     

    «10وَعُمْقُ السِّدِّيمِ كَانَ فِيهِ آبَارُ حُمَرٍ كَثِيرَةٌ. فَهَرَبَ مَلِكَا سَدُومَ وَعَمُورَةَ وَسَقَطَا هُنَاكَ وَالْبَاقُونَ هَرَبُوا إِلَى الْجَبَلِ»(سِفْرُ التَّكْوِينِ14: 10).

    v    الجبل وأين هو؟ وَعُمْقُ السِّدِّيمِ في النص

    يقودنا هذا النص الفريد في سفر التكوين 14: 10 إلى تصوير ملحمي لأحد أكثر المواقع الجغرافية والجيولوجية غرابة في الشرق الأدنى القديم. نحن هنا أمام مشهد هزيمة عسكرية تراجيدية، حيث تحولت التضاريس الطبيعية إلى "مصيدة" ابتلعت الملوك الفارين، بينما لجأ الناجون إلى "الجبل".

    فيما يلي تفكيك موسع ودراسة جغرافية، لاهوتية، ونفسية لهذا النص، مدعومة بالأدلة والآيات والمراجع:

    أولاً: التفكيك اللغوي للنص العبري

    العبارة العبرية تحمل صياغة بلاغية وجيولوجية دقيقة للغاية:

    {וְעֵמֶק הַשִּׂדִּים בֶּאֱרֹת בֶּאֱרֹת חֵמָר וַיָּנֻסוּ מֶלֶךְ־סְדֹם וַעֲמֹרָה וַיִּפְּלוּ־שָׁמָּה וְהַנִּשְׁאָרִים הֶרָה נָּסוּ׃}

    (وَعِمِق هَشِّدِيم بِئِروت بِئِروت حِيمَار وَيَّانُوسُو مِلِخ-سِدوم وَعَمورَاه وَيِپِّلو-שָׁامَّه وَهَنِّשְׁאָرِيم هِيرَاه نָاسُو)

    בֶּאֱרֹת בֶּאֱרֹת (بِئِروت بِئِروت): تكرار الكلمة في العبرية (آبار آبار) هو أسلوب مبالغة وتأكيد يعني: "امتلأ بالكامل بالآبار" أو "حفرة تلو الأخرى دون انقطاع"، مما يعني أن الوادي كان عبارة عن حقل ألغام طبيعي من الحفر اللزجة.

    חֵמָר (حِيمَار): تعني الحُمَر، وهو الأسفلت الطبيعي أو القار السائل (Bitumen/Asphalt)، وهو يختلف عن الطين العادي (חֹמֶר - خُومِر).

    הֶרָה (هِيرَاه): تتكون من كلمة جبل (הַר - هَار) مضافاً إليها هاء الاتجاه (הָ الاتجاهية)، وتعني حرفياً "نحو الجبل" أو "جبلًا" كوجهة اضطرارية هرباً من الموت.

    ثانياً: "عُمْق السِّدِّيم" (עֵמֶק הַשִּׂדִּים) - طبيعته وموقعه

    1. تحديد الموقع جغرافياً:

    يتفق النص الكتابي والبحوث الأركيولوجية على موقع هذا الوادي:

    «جَمِيعُ هؤُلاَءِ اجْتَمَعُوا مُتَحَالِفِينَ إِلَى عُمْقِ السِّدِّيمِ الَّذِي هُوَ بَحْرُ الْمِلْحِ»(سِفْرُ التَّكْوِينِ14: 3).

    الحوض الجنوبي للبحر الميت: يُجمع الجغرافيون على أن "عمق السديم" يمثل الآن الجزء الجنوبي الضحل من البحر الميت (جنوب شبه جزيرة اللسان). في زمن إبراهيم، لم يكن هذا الجزء مغموراً بالكامل بالمياه المالحة العميقة، بل كان سهلاً خصباً تتخلله مستنقعات مالحة وينابيع كبريتية ونشوع إسفلتية.

    2. معنى "السِّدِّيم":

    الحقول أو السهول المحروثة: ترجع الكلمة إلى الجذر السامي المشترك لشبه الجزيرة العربية واللغة الأكادية (Saddum / Sade - الحقل المفتوح)، ليعني "وادي السهول الزراعية"، وهو ما يتطابق مع وصف السهل قبل الخراب بأنه: «كَجَنَّةِ الرَّبِّ، كَأَرْضِ مِصْرَ»(سِفْرُ التَّكْوِينِ13: 10).

    3. ظاهرة "آبار الحُمَر" (Petroleum Seepages):

    البحر الميت يقع في منطقة صدع غور الأردن العظيم (Jordan Rift Valley)، وهي منطقة نشطة زلزالياً وتتميز بوجود طبقات عميقة من البترول والغاز تحت الأرض.

    تاريخياً، كانت هذه المواد البترولية تتسرب إلى السطح على شكل إسفلت لزج شبه سائل يُشكل بركاً ومستنقعات خداعة مغطاة أحياناً بالغبار أو القشرة الملحية الجافة، فمن يطأها يغوص فيها ولا يستطيع الخروج، وهو ما حدث تماماً لجيوش ملوك سدوم وعمورة المتراجعة بعشوائية ورعب.

    ثالثاً: "الْجَبَل" - ما هو وأين يقع؟

    عندما يذكر النص أن الباقين "هربوا إلى الجبل" (הֶרָה נָּסוּ)، يبرز السؤال: أي جبل يقصد؟

    1. جبال مؤاب (من جهة الشرق):

    الامتداد الصخري الشاهق الوعر الذي يحد البحر الميت من الشرق (اليوم في الأردن)، وتحديداً التلال المحيطة بمدينة صوغر (Zoar).

    الدليل الكتابي اللاحق: عندما خربت سدوم وعمورة، يذكر النص أن لوطاً هرب من صوغر وسكن في ذات الجبل: «وَصَعِدَ لُوطٌ مِنْ صُوغَرَ وََكَنَ فِي الْجَبَلِ...لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُنَ فِي صُوغَرَ. فَكَنَ فِي الْمَغَارَةِ هُوَ وَابْنَتَاهُ»(سِفْرُ التَّكْوِينِ19: 30). هذا الجبل يمثل الحصن الطبيعي الأقرب للهاربين من السهل الجنوبي.

    2. جبال يهوذا الحصينة (من جهة الغرب):

    المرتفعات الغربية الشاهقة المطلة على البحر الميت (مثل مناطق عين جدي والبراري المحيطة بها نزولاً إلى الخليل). تمتاز هذه الجبال بوعورتها الشديدة واحتوائها على مئات الكهوف الطبيعية التي استخدمت تاريخياً كمخابئ للمطاردين (مثلما فعل داود النبي لاحقاً هرباً من شاول في برية عين جدي).

    رابعاً: المراجع الأكاديمية والجيولوجية الكبرى

    1. المؤرخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس (Flavius Josephus)

    في كتابه الشهير عاديات اليهود (Antiquities of the Jews, Book I, Chapter 9)، يصف المعركة بوضوح ويشرح كيف كانت المنطقة مليئة بالآبار الأسفلتية الطبيعية. وفي كتابه حرب اليهود (The Jewish War, Book IV, Chapter 8)، يفرد فصلاً كاملاً لوصف البحر الميت كـ "بحيرة الأسفلت" (Lake Asphaltites)، ويذكر كيف تطفو كتل القار الأسود اللامع على وجه المياه بعد الهزات الأرضية.

    2. أطلس الكتاب المقدس (The Sacred Bridge - Rainey & Notley)

    يوضح الجغرافيا العسكرية للمعركة؛ إذ يذكر كيف انحصر ملوكا سدوم وعمورة بين جيوش كدرلعومر المتقدمة من الشمال وبين برك الإسفلت الطبيعية في الجنوب، مما اضطر بقية الجيش للفرار صعوداً نحو الممرات الوعرة المؤدية لمرتفعات مؤاب شرقاً لمنع إبادتهم.

    3. معجم جيزينيوس العبري (Gesenius' Hebrew Lexicon)

    يشرح بالتفصيل الفيلولوجي الفرق بين "الحُمَر" (Chemar) الذي يمثل القار والأسفلت اللزج الذي استُخدم كملاط في بناء برج بابل «»(سِفْرُ التَّكْوِينِ11: 3)، وبين الطين أو الصلصال العادي، موضحاً الطبيعة الجيولوجية الفريدة لغور الأردن.

    خامساً: الأبعاد النفسية والمنظوماتية (Systemic Reflection)

    من منظور بنية النفس الإنسانية والأنظمة السلوكية، يحمل هذا النص إسقاطاً مشورياً عميقاً:

    1. مصيدة "الارتباطات الدبقة" (The Asphalt Trap):

    آبار الحُمَر تمثل سلوكياً ونفسياً "الأنماط الإدمانية والمستنقعات العاطفية اللزجة". عندما يعيش الإنسان في "سهل سدوم" (منظومة المتعة اللحظية والتحرر من الضوابط)، تبدو الأرض خصبة وسهلة. لكن عند أول مواجهة أو أزمة حقيقية (حملة الملوك الأربعة / الضغوط الحياتية)، يكتشف أن الأرض التي يقف عليها مليئة بحفر لزجة تسحبه للأسفل كلما حاول الهرب بعشوائية. "السقوط في بئر الحُمَر" هو صورة للشخص المحاصر في حلقة سلوكية مفرغة لا يستطيع الفكاك منها بقوته الذاتية بسبب "لزوجة" الارتباط بالماضي أو الاعتمادية المشوهة.

    2.    "الهرب إلى الجبل" كاستراتيجية تعافٍ:

    في المقابل، يمثل الجبل "المستوى الأعلى من الوعي والحدود النفسية والروحية الآمنة". للنجاة من مستنقعات العلاقات السامة أو الأفكار الهدامة، لا يكفي الركض الأفقي في نفس السهل، بل لا بد من تغيير "المستوى" كلياً بالصعود الرأسي (الروحي والمعرفي) نحو المرتفع الصخري الصلب. الجبل يتطلب جهداً للصعود، لكنه يوفر الرؤية البانورامية الواضحة، والأمان المطلق فوق مستوى الفوضى الأرضية.



    للتواصل

    Shamsmasr.jesus@gmail.com


    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    Item Reviewed: جبال مؤاب إعداد د. القس سامي منير اسكندر Rating: 5 Reviewed By: د. القس سامي منير اسكندر
    Scroll to Top