• اخر الاخبار

    التجسد في فكر الأب متى المسكين إعداد د. القس سامي منير اسكندر

     


    التجسد في فكر الأب متى المسكين

    إعداد

    د. القس سامي منير اسكندر

    الأب متى المسكين جعل تجسد الرب يسوع المسيح محورًا رئيسيًا في كتاباته، ورأى أن التجسد ليس مجرد حدث تاريخي، بل هو قلب التدبير الإلهي للخلاص، والنقطة التي يلتقي فيها الله بالإنسان ليعيد إليه صورته الأولى ويشركه في الحياة الإلهية. وقد تأثر في عرضه بآباء الكنيسة، خاصة أثناسيوس الرسولي، وكيرلس الكبير، مع أسلوب روحي وتأملي يميز كتاباته.

    فيما يلي عرض موسع لأبرز أفكاره، مع الإشارة إلى أهم المراجع.

    أولًا: التجسد هو مبادرة محبة الله

    يرى الأب متى المسكين أن التجسد لم يكن مجرد علاج لمشكلة الخطية، بل هو إعلان لمحبة الله الأزلية للإنسان.

    ويستشهد بقول الإنجيل: «لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ» (إنجيل يوحنا3: 16).

    ويؤكد أن الله هو الذي بدأ بالمصالحة، ولم ينتظر أن يرتقي الإنسان إليه، بل نزل هو إلى الإنسان.

    ثانيًا: التجسد اتحاد حقيقي بين اللاهوت والناسوت

    يؤكد الأب متى أن:

    v        الكلمة لم يتخذ جسدًا ظاهريًا.

    v        ولم يسكن في إنسان منفصل.

    v        بل صار إنسانًا حقيقيًا.

    ويستند إلى: «وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا» (إنجيل يوحنا1: 14).

    ويشرح أن: "صار" لا تعني تغير اللاهوت إلى ناسوت، بل تعني أن ابن الله اتخذ الطبيعة البشرية كاملة دون أن يفقد شيئًا من لاهوته.

    وهذا قريب جدًا من تعليم مجمع خلقيدونية في جانب حقيقة الناسوت، مع احتفاظه بالصياغة اللاهوتية القبطية حول الاتحاد.

    ثالثًا: المسيح أخذ كل طبيعتنا ليشفيها

    من أكثر الأفكار تكرارًا عند الأب متى المسكين أن: ما لم يأخذه المسيح لم يشفه.

    فقد أخذ:

    ·                الجسد.

    ·                النفس.

    ·                العقل.

    ·                الإرادة الإنسانية.

    لكي يجدد الإنسان كله.

    ويستشهد بقول الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ: «إِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ فِيهِمَا» (الرسالة إلى العبرانيين2: 14).

    رابعًا: التجسد هو بداية الخليقة الجديدة

    يرى أن التجسد ليس مجرد تمهيد للصليب.

    بل هو نفسه بداية الخليقة الجديدة.

    ففي المسيح بدأ الإنسان الجديد.

    ويستشهد: «إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ» (رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس5: 17).

    خامسًا: التجسد هدفه تأليه الإنسان بالنعمة

    يتأثر الأب متى هنا جدًا بتراث أثناسيوس الرسولي.

    فالغاية ليست فقط غفران الخطايا.

    بل اشتراك الإنسان في حياة الله.

    ويستشهد: «لِكَيْ تَصِيرُوا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلَهِيَّةِ» (رسالة بطرس الرسول الثانية1: 4).

    ويؤكد أن المقصود ليس تحول الإنسان إلى إله في الجوهر، بل اشتراكه في حياة الله ونعمته وقداسته.

    سادسًا: التجسد كشف الآب

    يرى أن الإنسان لم يعرف الله معرفة كاملة إلا في المسيح.

    ويستشهد: «اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ... هُوَ خَبَّرَ» (إنجيل يوحنا1: 18).

    وقال المسيح: «اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ» (إنجيل يوحنا14: 9).

    لذلك فالتجسد هو إعلان الله المنظور.

    سابعًا: التجسد هو أساس الأسرار الكنسية

    يؤكد أن:

    v المعمودية.

    v الإفخارستيا.

    v حياة الكنيسة.

    كلها تقوم على حقيقة التجسد.

    فلو لم يتجسد المسيح لما أمكن للإنسان أن يتحد به.

    ثامنًا: التجسد والصليب والقيامة عمل واحد

    يرفض الأب متى فصل التجسد عن الفداء.

    فالتجسد:

    v يقود إلى الصليب.

    v والصليب يقود إلى القيامة.

    v والقيامة تكمل هدف التجسد.

    ويستشهد: «أَخْلَى نَفْسَهُ... وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ... أَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتِ»(رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي2: 6-11).

    تاسعًا: التجسد غيّر نظرة الإنسان إلى الجسد

    يرفض الأب متى النظرة التي تحتقر الجسد.

    لأن الله نفسه لبس الجسد.

    لذلك أصبح الجسد مدعوًا للمجد.

    ويستشهد: «أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ أَجْسَادَكُمْ هِيَ هَيْكَلُ الرُّوحِ الْقُدُسِ»(رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 6: 19).

    عاشرًا: التجسد يستلزم استجابة الإنسان

    لا يكفي الإيمان العقلي بالتجسد.

    بل يجب أن:

    v    يحيا الإنسان في المسيح.

    v    يثبت فيه.

    v    يلبس الإنسان الجديد.

    كما يقول الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ:

    «الْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ»(رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس4: 24).

    أهم مراجع الأب متى المسكين حول التجسد

    v   من أهم المراجع التي تناول فيها الموضوع:

    1.     القديس يوحنا اللاهوتي – شرح إنجيل يوحنا (وخاصة تفسير يوحنا 1:1–18، و3، و6، و14، حيث يناقش معنى "والكلمة صار جسدًا" بإسهاب).

    2.     شرح الرسالة إلى أهل فيلبي (تفسير فيلبي 2:5–11 عن إخلاء الابن وتجسده وطاعته).

    3.     شرح الرسالة إلى العبرانيين (خاصة الإصحاحين 1و2، عن اشتراك المسيح في اللحم والدم).

    4.     حياة الصلاة الأرثوذكسية، حيث يربط التجسد بالشركة مع المسيح والحياة الروحية.

    5.     الكنيسة والإفخارستيا، وفيه يوضح ارتباط التجسد بالأسرار الكنسية.

    6.     مقالاته ودراساته في مجلة مرقس، التي تناولت موضوع التجسد والاتحاد بالمسيح في مناسبات متعددة.

    v   ملاحظة منهجية

    تجدر الإشارة إلى أن بعض تفسيرات الأب متى المسكين كانت محل نقاش بين عدد من اللاهوتيين داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، خاصة في بعض الصياغات المتعلقة بالتأله، والتبرير، وعلاقة التجسد بالخلاص. لذلك، عند الدراسة الأكاديمية، من المفيد قراءة كتاباته إلى جانب كتابات آباء الكنيسة الأوائل مثل أثناسيوس الرسولي وكيرلس الكبير، وكذلك الرجوع إلى النصوص العقائدية الرسمية للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، للمقارنة بين الشرح الروحي والصياغة العقائدية الرسمية.


    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    Item Reviewed: التجسد في فكر الأب متى المسكين إعداد د. القس سامي منير اسكندر Rating: 5 Reviewed By: د. القس سامي منير اسكندر
    Scroll to Top