• اخر الاخبار

    لاهوت الْعَهْد الجزء الرابع: تبرير إبراهيم بالإيمان إعداد د. القس سامي منير إسكندر

     


    لاهوت الْعَهْد

    الجزء الرابع: تبرير إبراهيم بالإيمان

    إعداد

    د. القس سامي منير إسكندر

     

    رابعًا: تبرير إبراهيم بالإيمان سِفْرُ التَّكْوِينِ15

    من أهم آيات الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ([1]): كله: «6فَآمَنَ بِالرَّبِّ (يَسُوعَ الْمَسِيحِ) فَحَسِبَهُ لَهُ بِرّاً»(سِفْرُ التَّكْوِينِ15: 6). هذه الآية هي حجر الأساس في عقيدة التبرير. وتُعتبر آية واحدةً من أهم وأعمق آيات الإعلان الإلهي في الكتاب المقدس بعهديه (القديم والجديد)؛ فهي تمثل الركيزة الأولى والنواة العقائدية لمفهوم "التبرير بالإيمان" (Justification by Faith).. فيما يلي شرحٌ هذه الآية ودورها كحجر أساس لعقيدة التبرير، مدعوماً بالتحليل اللاهوتي والآيات الشارحة:

    أولاً: السياق التاريخي واللاهوتي للآية:

    «1بَعْدَ هَذِهِ الأُمُورِ صَارَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى أَبْرَامَ فِي الرُّؤْيَا: «لاَ تَخَفْ يَا أَبْرَامُ. أَنَا تُرْسٌ لَكَ. أَجْرُكَ كَثِيرٌ جِدّاً». 2فَقَالَ أَبْرَامُ: «أَيُّهَا السَّيِّدُ الرَّبُّ مَاذَا تُعْطِينِي وَأَنَا مَاضٍ عَقِيماً وَمَالِكُ بَيْتِي هُوَ أَلِيعَازَرُ الدِّمَشْقِيُّ؟» 3وَقَالَ أَبْرَامُ أَيْضاً: «إِنَّكَ لَمْ تُعْطِنِي نَسْلاً وَهُوَذَا ابْنُ بَيْتِي وَارِثٌ لِي». 4فَإِذَا كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَيْهِ: «لاَ يَرِثُكَ هَذَا. بَلِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَحْشَائِكَ هُوَ يَرِثُكَ». 5ثُمَّ أَخْرَجَهُ إِلَى خَارِجٍ وَقَالَ: «انْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ وَعُدَّ النُّجُومَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعُدَّهَا». وَقَالَ لَهُ: «هَكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ». 6فَآمَنَ بِالرَّبِّ فَحَسِبَهُ لَهُ بِرّاً.»(سِفْرُ التَّكْوِينِ15: 1-6).

    1.    الخلفية: كان إبرام (إبراهيم) طاعناً في السن، وبلا ولد، وساورته المخاوف والشكوك البشرية بشأن الوعود الإلهية بوراثة الأرض والنسل.

    2.    المبادرة الإلهية: أخرجه الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ: «5ثُمَّ أَخْرَجَهُ إِلَى خَارِجٍ وَقَالَ: «انْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ وَعُدَّ النُّجُومَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعُدَّهَا». وَقَالَ لَهُ: «هَكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ»(سِفْرُ التَّكْوِينِ15: 5).

    3.    الاستجابة البشرية: لم يُطلب من إبراهيم عمل شريعة، ولا تقديم ذبيحة، ولا الاستناد إلى طقس مادي (حيث إن ختان إبراهيم حدث لاحقاً في سِفْرُ التَّكْوِينِ 17)، بل كانت استجابته الوحيدة هي الإيمان والتصديق العلمي المطلق بكلمة الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ووعوده.

    4.    الفعل الإلهي: «فَحَسِبَهُ لَهُ بِرّاً»؛ الكلمة العبرية المستخدمة لـ «حَسَبَ» هي (חָשַׁב – Chashav)، وهي كلمة تُستخدم في السياقات الحسابية والمالية، وتعني: «قَيَّدَ في الحساب»، «اعتبر»، أو «نسب إلى رصيده».

    ثانياً: لماذا تُعتبر هذه الآية "حجر الأساس» لعقيدة التبرير؟

    1)   أسبقية الإيمان على الأعمال والشريعة

    تجلت هذه الآية قبل إعطاء الشريعة والوصايا العشر على يد موسى بنحو 430 سنة. وهذا يثبت لاهوتياً أن الوسيلة الإلهية لتبرير الإنسان أمام الله كانت دائماً هي الإيمان وليست حفظ أحكام الشريعة أو حفظ الأعمال الذاتية.

    2)   طبيعة التبرير (البرّ المنسوب / Imputed Righteousness).

    لم تقل الآية «فصار إبراهيم كاملاً في ذاته»، بل «فَحَسِبَهُ لَهُ بِرّاً». التبرير ليس تحولاً ذاتياً في طبيعة الإنسان الجسدية ليصبح معصوماً، بل هو قرار قضائي إلهي يُعلن فيه الله اعتبار الخاطئ باراً بناءً على إيمانه، حيث يُنسَب برّ الله إلى حساب المؤمن.

    3)   البعد المسياني (الارتباط بالرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ)

    أن إبراهيم رأي التجسَّد بالعين المجردة، وآمن بالرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ووبوعده في «النسل» (الذي هو الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بالمعنى اللاهوتي والروحي والجسدي). وقد أشار الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ إلى ذلك بقوله: «56أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ»(إِنْجِيلُ يُوحَنَّا8: 56).

    ثالثاً: التفسير والتوسع في العهد الجديد (الأدلة الشارحة)

    اعتمد رسولا العهد الجديد (بولس ويعقوب) على هذه الآية كدليل قاطع لعقيدة التبرير:

    1)   شرح الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ في رسالة رومية 4

    جعَل من آية «6فَآمَنَ بِالرَّبِّ (يَسُوعَ الْمَسِيحِ) فَحَسِبَهُ لَهُ بِرّاً»(سِفْرُ التَّكْوِينِ15: 6). المحور الأساسي لإثبات أن التبرير بالنعمة والإيمان لجميع البشر (يهوداً وأمميين):

    التبرير ليس بالأعمال: «فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ تَبَرَّرَ بِالأَعْمَالِ فَلَهُ فَخْرٌ، وَلكِنْ لَيْسَ لَدَى اللهِ. لأَنَّهُ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ؟ «فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا». أَمَّا الَّذِي يَعْمَلُ فَلاَ تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ. وَأَمَّا الَّذِي لاَ يَعْمَلُ، وَلكِنْ يُؤْمِنُ بِالَّذِي يُبَرِّرُ الْفَاجِرَ، فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ لَهُ بِرًّا»«»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ رُومِيَةَ4: 2-5).

    أسبقية الإيمان على الختان:

    «10فَكَيْفَ حُسِبَ؟ أَوَ هُوَ فِي الْخِتَانِ أَمْ فِي الْغُرْلَةِ؟ لَيْسَ فِي الْخِتَانِ بَلْ فِي الْغُرْلَةِ! 11وَأَخَذَ عَلاَمَةَ الْخِتَانِ خَتْماً لِبِرِّ الإِيمَانِ الَّذِي كَانَ فِي الْغُرْلَةِ لِيَكُونَ أَباً لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ وَهُمْ فِي الْغُرْلَةِ كَيْ يُحْسَبَ لَهُمْ أَيْضاً الْبِرُّ»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ رُومِيَةَ4: 10-11).

    v   شمولية الوعد لكل من يؤمن:

    «23وَلَكِنْ لَمْ يُكْتَبْ مِنْ أَجْلِهِ وَحْدَهُ أَنَّهُ حُسِبَ لَهُ 24بَلْ مِنْ أَجْلِنَا نَحْنُ أَيْضاً الَّذِينَ سَيُحْسَبُ لَنَا الَّذِينَ نُؤْمِنُ بِمَنْ أَقَامَ يَسُوعَ رَبَّنَا مِنَ الأَمْوَاتِ»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ رُومِيَةَ4: 23-24).

    2)   شرح الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ في رسالة غلاطية 3:

    يؤكد أن بني إبراهيم الحقيقيين هم أصحاب الإيمان:

    «6كَمَا «آمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرّاً». 7اعْلَمُوا إِذاً أَنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ أُولَئِكَ هُمْ بَنُو إِبْرَاهِيمَ»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ غَلاَطِيَّةَ3: 6-7).

    «8وَالْكِتَابُ إِذْ سَبَقَ فَرَأَى أَنَّ اللهَ بِالإِيمَانِ يُبَرِّرُ الأُمَمَ، سَبَقَ فَبَشَّرَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ «فِيكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ الأُمَمِ». 9إِذاً الَّذِينَ هُمْ مِنَ الإِيمَانِ يَتَبَارَكُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ الْمُؤْمِنِ»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ غَلاَطِيَّةَ3: 8-9).

    3)   التكامل مع رِّسَالَةُ يَعْقُوبُ الرَّسُول 2:

    يُظهر الرسول يعقوب الجانب العملي الحي للإيمان الذي يحسب برّاً؛ فالإيمان الحقيقي يُترجَم أفعالاً وطاعة:

    «21أَلَمْ يَتَبَرَّرْ إِبْرَاهِيمُ أَبُونَا بِالأَعْمَالِ، إِذْ قَدَّمَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ؟ 22فَتَرَى أَنَّ الإِيمَانَ عَمِلَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَبِالأَعْمَالِ أُكْمِلَ الإِيمَانُ، 23وَتَمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: «فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللَّهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرّاً» وَدُعِيَ خَلِيلَ اللَّهِ»(رِّسَالَةُ يَعْقُوبُ الرَّسُول2: 21-23).

    رابعاً: خلاصة مفهوم التبرير المعروض في الآية

    تُعتبر آية «6فَآمَنَ بِالرَّبِّ (يَسُوعَ الْمَسِيحِ) فَحَسِبَهُ لَهُ بِرّاً»(سِفْرُ التَّكْوِينِ15: 6). النصَّ العمودي والمحوري لمفهوم «التبرير بالإيمان» في الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ؛ إذ يُبنى عليها اللاهوت الكتابي للتبرير في العهدين القديم والجديد (خاصة في رسالتي رومية وغلاطية).

    v   خلاصة مفهوم التبرير من خلال أربعة محاور رئيسية:

    1. الإيمان هو الوسيلة لا الاستحقاق (أداة التبرير)

    الفعل العبري «آمَنَ» (אָמַן - Aman):

    جذر الكلمة يعني: الثبات، الاستناد على صخرة، والاتكاء الكامل.

    لم يكن إيمان إبراهيم مجرد تصديق عقلي لمعلومة، بل كان تسليماً كاملاً واستناداً مطلقاً على شخص الرب وأمانته وقدرته، حتى في أحلك الظروف (عندما كان مستحيلاً بشرياً أن يكون له نسل).

    الخلاصة: الإيمان ليس عملاً صالحاً يكافئ عليه الله، بل هو "اليد الفارغة" التي تمتد لتستقبل وعد الله ونعمته.

    2. التبرير عمل إلهي حسابي / حسباني (Imputation)

    الفعل العبري «حَسِبَهُ» (חָשַׁב - Chashav):

    في العبرية واليونانية (Logizomai - λογίζομαι)، يُستخدم هذا الفعل في السياق الحسابي والمالي؛ ويعني: "أن تُقَيّد في حساب شخص ما قيمة أو رصيداً لم يكن يملكه أصلاً".

    الخلاصة: الله لم يقل إن إبراهيم كان بلا خطية بذاته، بل "حَسَبَ وسَجَّلَ" إيمانه في حسابه كأنه برّ كامل. التبرير هنا ليس غسل وتغيير تدريجي (تقديس)، بل هو قرار قضائي وحسابي إلهي يُعلن بموجبه الشخص باراً أمام الله.

    3. "البرّ" عطية مجانية وليس مكافأة استحقاق

    الاسم العبري «بِرّ» (צְדָקָה - Tzedakah):

    يعني المطابقة لمعيار العدل والكمال الإلهي، والوقوف في موقف صحيحة ومقبولة أمام الله.

    الخلاصة: الآية تعلن بشكل قاطع أن إبراهيم لم يُحسب باراً بناءً على أعماله، أو حفظه للشريعة (التي لم تكن قد أُعطيت بعد)، أو ختانه (الذي حدث بعد هذه الآية بسنوات في سِفْرُ التَّكْوِينِ 17). إنما نال هذا "البر" كعطية مجانية بمجرد استناده بثقة على وعد الله.

    4. البُعد المسيحاني والتكاملي (بين العهدين)

    الموضوع الأساسي للوعد:

    الإيمان في سِفْرُ التَّكْوِينِ15 كان موجهاً للرب ووعده بالنسل (الذي من خلاله تتبارك جميع أُمم الأرض).

    القراءة اللاهوتية (العهد الجديد): في رسالة رومية (إصحاح 4) وغلاطية (إصحاح 3)، يشرح الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ أن النسل المقصود في جوهره هو الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ؛ وبالتالي فإن إيمان إبراهيم كان ظلاً ونواة للإيمان بالإله الذي يقيم الأموات ويُحيي ما هو غير موجود.

    عندما وضع إبراهيم ثقته في وعد الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وضعها بالتدبير الإلهي في الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ المذخور في الوعد؛ ولذلك فإن البر الحقيقي الذي حُسب له ولنا هو "بر الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" الممنوح بالإيمان.

    v   الخلاصة في جملة واحدة:

    مفهوم التبرير في آية سِفْرُ التَّكْوِينِ15: 6 يقرر أن الإنسان لا يُحسب باراً أمام الله بناءً على استحقاقه أو أعماله الذاتية، بل بنعمة الله المحض حين يستند قلبه بالإيمان الثابت على شخص الرب ووعده؛ فيُقَيّد له برّ الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ حسامياً كعطية مجانية.

    الجوهر: إبراهيم: لم يتبرر بالأعمال،

    لم يتبرر بالختان (إذ لم يكن قد أُعطي بعد).

    لم يتبرر بالشريعة (التي لم تكن قد أُعطيت بعد).

    بل تبرر بالإيمان،

    للتواصل:

    Shamsmasr.jesus@gmail.com



    [1] الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ = الكتاب المقدس




    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    Item Reviewed: لاهوت الْعَهْد الجزء الرابع: تبرير إبراهيم بالإيمان إعداد د. القس سامي منير إسكندر Rating: 5 Reviewed By: د. القس سامي منير اسكندر
    Scroll to Top