• اخر الاخبار

    مفهوم الحكمة (Chokmah) واللوجوس في يوحنا إعداد وتعريب وتمصير د. القس / سامي منير إسكندر

     


    مفهوم الحكمة (Chokmah) واللوجوس في يوحنا

    إعداد وتعريب وتمصير

    د. القس / سامي منير إسكندر


    دراسة العلاقة بين مفهوم الحكمة (Chokmah) في أَسْفَارٌ نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ واللوجوس في يوحنا 1

    تُمثّل شخصنة الحكمة (Chokmah - חָכְמָה) في أدبيات الحكمة العبرية (ولا سيما سفر الأمثال 8) الجسر اللاهوتي والكتابي الأهم الذي استند عليه يوحنا اللاهوتي في صياغة مقدمة إنجيله (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا1: 1-18)؛ حيث وجد في الحكمة العبرية الوعاء الإلهي الذي مكنه من صياغة مفهوم اللوجوس (Logos) بخلفية كتابية أصيلة تتجاوز الفلسفات اليونانية المجرّدة.

    1. التناظر النصوصي واللاهوتي بين أمثال 8 ويوحنا 1

    تتقاطع صفات "الحكمة" في أَسْفَارٌ نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ مع صفات "اللوجوس المتجسد" في العهد الجديد بصورة بنوية ومباشرة:

    أولاً: مفهوم "الحكمة" في أَسْفَارٌ نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ

    الترجمة العربية للكلمة العبرية Chokmah ( وتُكتب أيضاً Chochmah  أو Chochma -وبالعبرية: חָכְמָה) هي "الحِكْمَة" ]1و2. [

    وتُشير هذه الكلمة إلى عدة مفاهيم وسياقات رئيسية:

    المعنى العام في أَسْفَارٌ نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ (الكتاب المقدس): تعني الحكمة العملية، المهارة، البصيرة، والذكاء المُطبّق في شؤون الحياة.

    في الفلسفة الصوفية اليهودية (الكابالا): تُنطق "تشوخما" أو "حُكمة"، وهي تُمثل "السفيرة" الثانية (من الصفات الإلهية العشر في شجرة الحياة)، وتُعبر عن الحكمة الإلهية الأولى المنبثقة، ومصدر الإلهام والخلْق. [1, 2]

     

     

    وجه المقارنة

    الحكمة المشخصنة (Chokmah) — أمثال 8

    اللوجوس المتجسد (Logos) — يوحنا 1

    الأزلية والوجود قبل الخلق

    «22اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ مُنْذُ الْقِدَمِ»(أمثال8: 22).

    «1فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ،»(يوحنا1: 1).

    المعية والشركة الإلهية

    «30كُنْتُ عِنْدَهُ صَانِعاً وَكُنْتُ كُلَّ يَوْمٍ لَذَّتَهُ فَرِحَةً دَائِماً قُدَّامَهُ»(أمثال8: 30).

    «وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ»(يوحنا1: 1).

    الألوهية وطبيعة الكينونة

    هي التعبير الذاتي والكامل عن عقل الله وحكمته.

    «وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ»(يوحنا1: 1).

    الوساطة في العمل الخلاق

    «27لَمَّا ثَبَّتَ السَّمَاوَاتِ كُنْتُ هُنَاكَ أَنَا. لَمَّا رَسَمَ دَائِرَةً عَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ»(أمثال8: 27).

    «3كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ» (يوحنا1: 3).

    مصدر الحياة والنور للبشر

    «35لأَنَّ مَنْ يَجِدُنِي يَجِدُ الْحَيَاةَ وَيَنَالُ رِضًى مِنَ الرَّبِّ»(أمثال 8: 35).

    «4فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ،» (يوحنا1: 4).

    السكنى بين البشر (التجسد)

    «لَذَّاتِي مَعَ بَنِي آدَمَ»(أمثال 8: 31).

    «وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا،» (يوحنا 1: 14).

    2. آليات تأثير مفهوم الحكمة العبرية في صياغة إنجيل يوحنا

    مسار انتقال مفهوم الحكمة إلى اللوجوس

    1) شخصنة صفة إلهية

    2) الحكمة كعامل خلق

    3) من التجريد إلى التجسد

    الحكمة ليست مجرد مفهوم ذهني،

    الخلق ليس عملاً مادياً مجرداً،    

    الحكمة التي كانت تعلن عن الله

    بل "شخص" يتكلم ويدعو البشر

    بل تم بحكمة الله وكلمته الحية   

    تجسدت تاريخياً في الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ

    أ. الجسر بين الكلمة (Dabar) والحكمة (Chokmah)

    في الفكر العبري (أَسْفَارٌ نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ)، كانت "كلمة الله" (דְּבַר־יְהוָה) هي الخالقة مثل: «6بِكَلِمَةِ الرَّبِّ صُنِعَتِ السَّمَاوَاتُ وَبِنَسَمَةِ فَمِهِ كُلُّ جُنُودِهَا»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور33: 6). وحينما أُدمج هذا الفكر مع تقليد أدبيات الحكمة (سفر الأمثال، يشوع بن سيراخ، وحكمة سليمان)، أصبحت "الحكمة" و"الكلمة" ترادفين يعبران عن حضور الله الفاعل في العالم. فاختار يوحنا اصطلاح Logos لجمع المفهومين معاً.

    ب. السكنى والحلول وسط الشعب (Tabernacling)

    في الأدبيات اليهودية اللاحقة للعهد القديم (مثل يشوع بن سيراخ 24)، تُصور الحكمة ككيان أرسله الله ليطوف السماء والأرض، ثم جُعل لها مسكن في أورشليم بين شعب الله. يوحنا أخذ هذه الاستعارة بالتحديد وصاغ منها «14وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ [σκήνωσεν – خَيَّمَ / سَكَنَ]  بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً»(إِنْجِيلُ يُوحَنَّا1: 14). مؤكداً أن مسكن الحكمة الحقيقي لم يعد الخيمة أو الهيكل الحجري، بل جسد الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.

    ج. الرفض والقبول (مفارقة النور والظلمة)

    تتحدث أسفار الحكمة عن نزول الحكمة للعالم لدعوة الجهلاء والجهال، فبعضهم يرفضها والبعض يقبلها. هذا المفهوم شكّل البنية الدرامية لمقدمة يوحنا:

    «إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ. وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ» (يوحنا 1: 11-12).

    3. تحوّل وتطوير يوحنا لمفهوم الحكمة (The Johannine Shift)

    على الرغم من هذا التأثر العميق، أحدث يوحنا قفزة لاهوتية حاسمة نقلت المفهوم من رمزيته إلى واقعيته الخلاصية:

    1.   العبور من الرمز الاستعاري إلى الأقنوم الحقيقي:

    شخصنة الحكمة في أمثال 8 كانت أسلوباً أدبياً بلاغياً (Personification) لتجسيم صفة إلهية. أما اللوجوس عند يوحنا فهو أقنوم حقيقي وواقعي كائن قبل العالم.

    2.   العبور من هيات لي جسداً إلى الخالق الأزلي:

    يُفهم النص العبري في أمثال8: 22 ("الرَّبُّ قَنَانِي") في بعض الترجمات كبداية ل هيات لي جسداً للحكمة. أما يوحنا فرفع اللوجوس فوق مستوى الخلائق تماماً، معلناً صراحة: وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ.

    3.   التجسد التاريخي الفعلي:

    الحكمة العبرية بقيت فكرة، أو إعلاناً، أو روحاً يحل في الأنبياء؛ بينما الكلمة/الحكمة في إنجيل يوحنا اتخذت لحماً ودمًا وبشرية كاملة في شخص الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الناصري.

    4. الخلاصة

    لم يكن اللوجوس اليوحناوي نتاجاً للفلسفة اليونانية أو الرواقية بقدر ما كان الإعلان الأسمى والكامل لشخصنة الحكمة العبرية؛ حيث اتخذ يوحنا من حكمة أَسْفَارٌ نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ خلفية نصوصية وإلهامية، كاشفاً أن الحكمة الأزلية التي خالقت العالم وكانت لذاتها مع بني آدم، هي نفسها الكلمة الإلهي المتجسد الذي منح البشرية الحق والمعرفة والخلاص. 

    للتواصل:

    Shamsmasr.jesus@gmail.com

    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    Item Reviewed: مفهوم الحكمة (Chokmah) واللوجوس في يوحنا إعداد وتعريب وتمصير د. القس / سامي منير إسكندر Rating: 5 Reviewed By: د. القس سامي منير اسكندر
    Scroll to Top