مقارنة بين اللوجوس عند الرواقية وإنجيل يوحنا
إعداد وتعريب وتمصير
د. القس / سامي منير إسكندر
مقارنة
بين مفهوم اللوجوس (Logos) عند الرواقية وإنجيل يوحنا
تُمثّل المقارنة بين مصطلح اللوجوس (Logos - λόγος) في الفلسفة الرواقية ومفهومه في مقدمة إِنْجِيلُ
يُوحَنَّا1: 1-18: نقطة التلاقي والافتراق الأبرز بين الفكر الفلسفي
الهيلينستي واللاهوت المسيحي المبكر؛ حيث استخدم الطرفان نفس المصطلح اليوناني
الأكاديمي، لكنهما صغاه بأبعاد وجودية ولاهوتية مختلفة تماماً.
1. التطور المفاهيمي
لمصطلح اللوجوس
قبل المقارنة، يُظهر التطور التاريخي للمصطلح كيف
انتقل من الفلسفة إلى اللاهوت الإنجيلي:
التطور التاريخي لمفهوم اللوجوس
|
1) هرقليطس والرواقية |
2) فيلون
الإسكندري |
3) إِنْجِيلُ يُوحَنَّا |
|
مبدأ كوني غير
شخصي |
وسيط شبه شخصي |
أقنوم إلهي
متجسد |
|
عقل الكون
والقانون الطبيعي |
بين الله
المالي والعالم |
شخص يسوع
المسيح الأزلي |
2. اللوجوس في الفلسفة
الرواقية (The Stoic Logos)
في الفلسفة الرواقية (منذ زينون الرواقي وحتى
أبيكتيتوس وماركوس أوريليوس)، يُعَدّ اللوجوس المفهوم المحوري المنظِّم للوجود:
1.
المبدأ العقلاني المادي (Pantheistic/Physical Principle):
اللوجوس ليس إلهاً شخصياً متميزاً عن العالم، بل هو العقل
الكوني الساري في المادة (Immanent Reason). الرواقية فلسفة حلولية؛ فالرب واللوجوس والطبيعة والمادة تُعَدّ
أوهاجاً لجوهر واحد.
2.
اللوجوس المنبثق (Logos
Spermatikos - λόγος σπερματικός):
يُعرَّف بأنه "اللوجوس
البذري" أو العقول البذرية الموزعة في كل جزء من الطبيعة وفي عقل كل
إنسان، والتي تعطي للكون نظامه وقوانينه الطبيعية.
3.
مهمة اللوجوس:
هو القانون الطبيعي الحاكم للمصير والقدر (Fate/Providence)، وعلى الإنسان الحكيم أن يخضع له ويكيف عقله ليعيش "وفقاً
للطبيعة واللوجوس".
3. اللوجوس في مقدمة إنجيل يوحنا (The Johannine Logos)
عندما افتتح يوحنا اللاهوتي إنجيله بـ Ἐν ἀρχῇ
ἦν ὁ
λόγος («فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ»)، لم يكن يقتبس
الفلسفة الرواقية بصورة حرفية، بل كان يستخدم مفردة هيلينستية شائعة ليعيد تعريفها
على ضوء الإعلان الإلهي والخلفية العبرية (كلمة الرب דְּבַר־יְהוָה
والحكمة חָכְמָה
في العهد القديم):
1.
الأقنوم الشخصي الأزلي (Personal & Eternal Hypostasis):
اللوجوس في إِنْجِيلُ
يُوحَنَّا ليس مبدأ كلياً جامداً أو قوة كونية، بل هو أقنوم شخصي كائن قبل الزمان
(Ἐν ἀρχῇ
ἦν)، وله علاقة كينونة شخصية مع الآب (ἦν πρὸς τὸν θεόν)،
وهو إله كامل في الجوهر (θεὸς ἦν ὁ
λόγος).
2.
الخالق المتميز عن الخليقة (Creator Distinct from Creation):
يعلن إِنْجِيلُ يُوحَنَّا
عن اللوجوس ليس جزءاً من المادة أو الكون، بل هو عامل الخلق والعلة الفاعلة له (πάντα
δι’
αὐτοῦ
ἐγένετο
- «كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ»).
3.
سر التجسد التاريخي (Incarnation):
الذروة التي لم تتخيلها أي فلسفة يونانية هي καὶ
ὁ
λόγος
σὰρξ ἐγένετο («وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا»
(إِنْجِيلُ يُوحَنَّا1: 14). اللوجوس الإلهي دخل
الزمان والتاريخ واكتسى بالطبيعة البشرية.
4.
جدول مقارنة تفصيلي
|
وجه المقارنة |
اللوجوس
الرواقي (Stoic Logos) |
اللوجوس اليوحناوي
(Johannine Logos) |
|
الطبيعة
الجوهرية |
مبدأ عقلاني
مادي/محلول في الكون (Pantheistic). |
أقنوم إلهي
شخصي متميز عن الخليقة (Personal God). |
|
الأزلية
والعلاقة بالزمان |
جزء من دورة
الكون المادية والمتجددة. |
أزلي الوجود
قبل كل الدهور (Ἐν ἀρχῇ
ἦν). |
|
العلاقة بالمادة
والعالم |
ساري في المادة
ومندمج فيها. |
خالق المادة
والكون ومستقل عنهما جوهرياً. |
|
التجسد
والتاريخ |
مستحيل؛ لا
يمكن للمبدأ المادي الكوني أن يتجسد كشخص. |
حقيقة محورية؛
اتخذ بالصيرورة جسداً بشرياً (يسوع المسيح). |
|
العلاقة مع
الإنسان |
شعلة عقلية
يمتلكها الإنسان بذاته (Reason). |
مصدر الحياة
والنور الروحي المنعم به للإنسان (Grace & Truth). |
|
الغاية
والسعادة |
التكيف العقلي
الخارجي مع القدر والقانون الطبيعي. |
الشركة الحية
والتبرير وإعطاء السلطان لسائر المؤمنين ليصيروا أولاد الله. |
5.
الخلاصة
استخدم يوحنا اللاهوتي كلمة Logos كـ جسر ثقافي وبلاغي؛ لكي يخاطب العقل اليوناني والهيلينستي بلغة
يفهمها. لكنه قام بـ "تعميد وتطهير"
المصطلح من جذوره الحلولية والفلسفية الجافة:
فنقل اللوجوس من مجرد "قانون
طبيعي غير شخصي يُحرك الكون" عند الرواقيين، إلى "شخص إلهي أزلي محب، تجسد فداءً للإنسان وأعلن ذات الله
للعالم".
للتواصل:
0 التعليقات:
إرسال تعليق