• اخر الاخبار

    تأملات في سِفْرُ نَشِيدُ الأَنْشَادِ ج3 شروط حكماء وآباء الكنيسة لقراءة سِفْرُ نَشِيدُ الأَنْشَادِ إعداد د. القس سامي منير إسكندر

     

    تأملات في سِفْرُ نَشِيدُ الأَنْشَادِ ج3

    شروط حكماء وآباء الكنيسة لقراءة سِفْرُ نَشِيدُ الأَنْشَادِ

    إعداد

    د. القس سامي منير إسكندر

     

    معرفة شروط حكماء وآباء الكنيسة القدامى التي يجب أن تتوفر في المؤمن قبل قراءة هذا السفر لضمان فهمه روحيًا؟ وضعت الكنيسة الأولى، عبر آبائها وحكمائها، شروطاً وقيوداً صارمة جداً قبل السماح للمؤمنين بقراءة أو دراسة سفر نشيد الأنشاد. وكان الدافع وراء هذه الصرامة هو الخشية من أن تؤدي الألفاظ الغزلية والحسية الظاهرة في السفر إلى تعثير النفس "الجسدانية"، أو تحويل النص من وثيقة لاهوتية مقدسة إلى شعر بشري عاطفي [1.2.3، 1.2.7].

    فيما يلي تفصيل للشروط الروحية والسنّية والمنهجية التي اشترطها الآباء، مدعومة بالمراجع الآبائية واللاهوتية:

    1)   شرط النضج السنّي والجسدي (تخطي مرحلة المراهقة)

    تأثراً بالتقليد اليهودي الصارم (الذي كان يمنع قراءة السفر قبل سن الثلاثين)، تبنى آباء الكنيسة مبدأ منع الشباب والصغار من قراءة السفر حتى تستقر غرائزهم الجسدية، وتصل عقولهم إلى مرحلة من النضج الذي يُمكّنهم من التمييز بين الحب الشهواني (Eros) والحب الإلهي النقي (Agape).

    المرجع: يشرح العلامة أوريجانوس (القرن الثالث) في مقدمة تفسيره الشهير لسفر نشيد الأنشاد هذا الشرط قائلاً: "لذلك أنصح وأحذر كل من لم يتخلص بعد من مضايقات اللحم والجسد، ولم يمت فيه الشغف الطبيعي الهابط، أن يمتنع تماماً عن قراءة هذا الكتاب أو ما يُقال عنه. لأن النفس إن لم تكن قد وصلت إلى النضج، ستتحول الكلمات الروحية في ذهنها إلى رغبات جسدية، ويصير السفر عثرة لها بدلاً من أن يكون وسيلة لبنائها".

    2)   شرط التدرج التعليمي (منهج الفضيلة الثلاثي)

    لم يكن يُسمح للمؤمن بقراءة نشيد الأنشاد كبداية لرحلته الروحية، بل كان السفر يُمثل الشهادة العليا أو المرحلة الأخيرة من التعليم الكتابي. وضع الآباء نظاماً تعليمياً تدرجياً يعتمد على كتب الملك سليمان الثلاثة:

    1.   سفر الأمثال: مرحلة المبتدئين (التهذيب الأخلاقي، ومحاربة الرذائل، وضبط الجسد).

    2.   سفر الجامعة: مرحلة المتقدمين (إدراك بطلان العالم والماديات، والزهد في الأرضيات).

    3.   سفر نشيد الأنشاد: مرحلة الكاملين أو "المتطلعين إلى الأسرار" (الاتحاد الروحي التام بالعريس السماوي).

    المرجع: يقول القديس غريغوريوس النيصي (القرن الرابع) في عظته الأولى لشرح نشيد الأنشاد: "إن سليمان الحكيم يقودنا عبر تدرج طبيعي؛ ففي الأمثال يطهر الحواس ويقود الطفولة الروحية. وفي الجامعة يرفع الفكر فوق المنظورات مبيناً بطلانها. وفقط عندما تتطهر النفس من الطين الأرضي، يفتح لها باب حجال العريس في نشيد الأنشاد لتتذوق الحب الطاهر الباطني".

    3)   شرط "موت الحواس الجسدية" ونقاء المخيلة

    اشترط الآباء المتصوفون أن يدخل المؤمن إلى السفر بمخيلة ونفس "ميتة عن العالم"؛ أي ألا تثير الكلمات (مثل: القبلات، الثدي، العناق، السرير) أي تداعيات أو صور ذهنية جسدية بشرية، بل تنصرف العين الداخلية فوراً إلى مفاهيم روحية (مثل: وسائط النعمة، الأسرار الكنسية، الفضائل الروحية).

    المرجع: جاء في كتابات القديس برنارد من كليرفو (القرن الثاني عشر)، الذي كتب 86 عظة في هذا السفر، حيث يقول في عظته الشّهيرة (العظة رقم 1): "هذا الأغنية (النشيد) لا يمكن أن تسمعها إلا النفس التي تدربت في مدرسة الروح القدس. إنها لغة الخدر الزوجي الروحي، ولا يجوز للأقدام غير الطاهرة أو العقول الممتلئة بالشهوات الأرضية أن تطأ عتبة هذا الخدر. مَن يريد الفهم، عليه أولاً أن يصلب أهواءه مع المسيح".

    4)   شرط القراءة الجماعية في إطار "الكنيسة" (الالتزام بالتفسير الآبائي)

    حذر الحكماء من القراءة الفردية المعزولة للسفر بناءً على الهوى الشخصي؛ واشترطوا أن يُقرأ السفر دائماً من خلال عيني الكنيسة (باعتبار الكنيسة هي العروس الجمعية). فالقراءة المنعزلة قد تقود المؤمن لتوهمات روحية خطيرة أو تفسيرات حرفية خارجة عن سياق العقيدة والوحي.

    المرجع: في كتاب "المؤسسات الدينية" للقديس جون كاسيان (القرن الخامس)، يوضح أن الفهم الروحي للأسفار الغامضة والرمزية مثل نشيد الأنشاد والرؤيا مشروط بالخضوع لتقليد الشيوخ المتواتر، والنظر إلى النص باعتباره نبوة عن أسرار الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وليس مجرد مشاعر ذاتية.

    v   المراجع الرئيسية للتوثيق والتوسع:

    1.   Commentary on the Song of Songs - Origen (ترجمة R.P. Lawson): الصادر ضمن سلسلة Ancient Christian Writers.

     يمثل هذا المجلد الدستور الآبائي الأول الذي وضع القيود والشروط النفسية والروحية لقراءة السفر.

    2.   Homilies on the Song of Songs - Gregory of Nyssa (ترجمة Richard A. Norris): يحتوي الكتاب في مقدمته (Prologue)

     على الشرح الفلسفي والتربوي لكيفية ترويض النفس وتدرجها عبر أسفار سليمان قبل بلوغ النشيد.

    3.   St. Bernard of Clairvaux: On the Song of Songs (المجلد الأول - Cistercian Fathers Series):

     يضم العظات التأسيسية التي تشرح بالتفصيل الفروق اللاهوتية الدقيقة بين "الإنسان الجسداني" و"الإنسان الروحي" المؤهل لولوج أسرار السفر.

    v   نموذجاً تطبيقياً:

    نرى كيف تُرجمت كل الكلمات الحرة في السفر إلى مفاهيم نسكية مسيحية (مثل تفسير كلمة "السرير الأخضر" أو "القبلة")؟

    لقد وضع آباء الكنيسة الأوائل والمفسرون النساك منهجاً صارماً لتطهير الألفاظ الحسية في سفر نشيد الأنشاد، محولين لغة الغزل الجسدي الظاهرية إلى رموز تشير إلى "أسرار الكنيسة"، "جهاد النفس النسكية"، و"الاتحاد الروحي بالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.

    فيما يلي تفصيل دقيق ونموذج تطبيقي لكيفية ترجمة الكلمات الحرة في السفر إلى مفاهيم نسكية مسيحية، مدعوماً بالمراجع الآبائية واللاهوتية:

    1)   "القبلة" (لِيُقَبِّلْنِي بِقُبْلاتِ فَمِهِ - النشيد 1: 2)

    في المفهوم البشري، القبلة هي التعبير الأسمى عن الشغف العاطفي. أما في التفسير النسكي الآبائي، فقد جُرّدت تماماً من بُعدها الجسدي لتصبح رمزاً لـتجسد الكلمة الإلهية ونوال النعمة الروحية.

    الترجمة النسكية: فم العريس يمثل "الله الكلمة" (المسيح)، والقبلة تمثل حلول الروح القدس واتحاد الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية بالتجسد. على الصعيد الفردي للناسك، القبلة هي "الصلاة القلبية النقية" وعطية السلام الداخلي والاتحاد السري بالمسيح في أسرار الكنيسة.

    المرجع: يشرح العلامة أوريجانوس في شرح نشيد الأنشاد (الكتاب الأول) قائلاً: "القبلة تعني أن النفس لم تعد تكتفي بسماع صوت الله عبر الأنبياء أو الملائكة (الذين يمثلون الرسائل غير المباشرة)، بل تطلب أن يخاطبها المسيح مباشرة بفمه، وهو ما تحقق عندما أخذ جسدنا وأعطانا روحه القدوس".

    2)   "السرير الأخضر" (سَرِيرُنَا أَخْضَرُ - النشيد 1: 16)

    السرير في السياق البشري يرمز إلى مخدع النوم والعلاقة الزوجية الحميمية. نقل الآباء هذا اللفظ إلى آفاق نسكية بيئية وروحية تعبر عن طهارة الحياة الروحية وثمار الفضيلة.

    الترجمة النسكية: السرير الأخضر يرمز صوفياً إلى الضمير الطاهر والنفس المثمرة بالفضائل. فاللون الأخضر يمثل الحياة الروحية الدائمة التي لا تذبل (النمو النسكي)، ويمثل أيضاً جسد المسيح (الكنيسة) الذي يجمع المؤمنين في سكون طاهر بعيداً عن صخب الشهوات الأرضية. كما فسره البعض بـ "قبر المسيح" الذي نبتت منه القيامة والحياة.

    المرجع: يذكر القديس برنارد من كليرفو في العظة رقم 46 في نشيد الأنشاد:

    "ما هو سريرنا الأخضر إلا الضمير المسالم الطاهر؟ هناك حيث يجد العريس راحته مع النفس. هذا الاخضرار لا ييبس أبدًا لأنه يرتوي بنهر النعمة، وهو المخدع النسكي حيث يعتزل الراهب أو المؤمن العالم ليستريح في أحضان الصلاة الروحية الباطنية".

    3)   "الثديان" (ثَدْيَاكِ كَخِشْفَتَيْ ظَبْيَةٍ - النشيد 4: 5)

    هذا اللفظ الحسي أثار حذر الكثيرين، لكن الآباء صاغوا له لاهوتاً تعليمياً وكنسياً فائق القداسة والوقار، بعيداً تماماً عن الإثارة الجسدية.

    الترجمة النسكية: الثديان في المفهوم النسكي يشيران إلى قنوات التغذية الروحية في الكنيسة. الثدي الأول يمثل "العهد القديم" والثدي الثاني يمثل "العهد الجديد"، اللذين ترضع منهما الكنيسة أولادها لبن العقيدة النقي. وفي حياة الناسك، يمثل الثديان فضيلتي "المحبة" و"الإيمان"، أو "العمل والـتأمل" (Праξις و Θεωρία)  اللذين يزينان صدر النفس الروحية.

    المرجع: جاء في كتاب شرح نشيد الأنشاد للقديس غريغوريوس النيصي (العظة السابعة): "الثديان هما ينبوعا التعليم المقدس اللذان يفيضان بلبن الكلمة الإلهية الميسر، لكي يتغذى المؤمنون الخطوات الأولى في الإيمان، حتى ينموا ويصيروا قادرين على تناول الطعام القوي (الأسرار العميقة)".

    4) "الحديقة المغلقة والعين المقفلة" (أُخْتِي الْعَرُوسُ جَنَّةٌ مُغْلَقَةٌ، عَيْنٌ مُقْفَلَةٌ، يَنْبُوعٌ مَخْتُومٌ) النشيد4: 12)
    تُعد هذه الآية حجر الزاوية في اللاهوت النسكي ومفهوم البتولية في الكنيسة الأولى.
    الترجمة النسكية: تشير مباشرة إلى التكريس الكامل، والعفة، والبتولية. صوفياً، تُطبق على القديسة مريم العذراء (دوام بتوليتها قبل وأثناء وبعد الولادة)، وتُطبق نسكياً على حياة الراهب أو العذراء المكرسة؛ فالنفس جنة مغلقة لا يدخلها غريب (الشيطان أو شهوات العالم)، والينبوع مختوم بختم الروح القدس للمسيح وحده.
    المرجع: كتب القديس جيروم (Hieronymus) في رسالته الشهيرة إلى أوستوخيوم (Epistle 22 - لتعليم البتولية): "كوني جنة مغلقة، وعيناً مقفلة، وينبوعاً مختوماً. لا تسمحي للمارة أن يقطفوا من ثماركِ، بل احتفظي بكل بهاء طهارتكِ للعريس السماوي وحده، لكي يجد فيكِ جنته الخاصة الفردوسية".
    5) "الخمر" (لأَنَّ حُبَّكَ أَطْيَبُ مِنَ الْخَمْرِ - النشيد 1: 2)
    الخمر في العالم يمثل السكر البشري وغياب العقل الأرضي.
    الترجمة النسكية: الخمر ترمز صوفياً إلى "السُّكر الروحي" (Sober Intoxication)؛ وهو حالة الوجد الإلهي الفائق التي تجعل الناسك ينسى آلام الجسد وهموم الأرض حباً في الله. كما ترمز مباشرة في العهد الجديد إلى سر الإفخارستيا (القداس الإلهي/ دم المسيح) الذي يمنح النفس بهجة أبدية لا تنتهي.
    المرجع: يوضح القديس أمبروسيوس أسقف ميلانو في كتابه عن الأسرار (De Sacramentis): "خمر العالم تجلب الترنح والخطية، أما خمر نشيد الأنشاد، خمر العريس الإلهي، فإنها تُبهج قلب الإنسان وتمنحه سُكراً روحياً مقدساً يطهر الفكر ويثبته في السمائيات".
    للتواصل:
    Shamsmasr.jesus@gmail.com



    السابق
    هذه تدوينه الأقدم
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    Item Reviewed: تأملات في سِفْرُ نَشِيدُ الأَنْشَادِ ج3 شروط حكماء وآباء الكنيسة لقراءة سِفْرُ نَشِيدُ الأَنْشَادِ إعداد د. القس سامي منير إسكندر Rating: 5 Reviewed By: د. القس سامي منير اسكندر
    Scroll to Top