• اخر الاخبار

    لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي إعداد د. القس سامي منير إسكندر


    لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي

    إعداد

    د. القس سامي منير إسكندر


    هذه الآية من أعمق نصوص الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ في التعامل مع النفس المنكسرة والرجاء؛ لأنها لا تطلب من الإنسان أن ينكر ألمه، بل تكشف لنا كيف يمكن أن يدخل الإنسان في حوار مع نفسه، ثم يعيد توجيهها من الانحناء إلى الرجاء في الله.

    «5لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ ارْتَجِي اللهَ لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ لأَجْلِ خَلاَصِ وَجْهِهِ»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور42: 5).

    وهذه الفكرة تتكرر في: «11لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ تَرَجَّيِ اللهَ لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ خَلاَصَ وَجْهِي وَإِلَهِي»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور42: 11)، و«5لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ تَرَجَّيِ اللهَ لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ خَلاَصَ وَجْهِي وَإِلَهِي»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور43: 5)، مما يجعلها محورًا مقصودًا في المزمور، وليس مجرد عبارة عابرة..

    أولًا: ما السياق الذي قيلت فيه الآية؟

    مزمور 42 هو مزمور شخص يعيش حالة عطش روحي وألم داخلي واغتراب وضغط من الآخرين.

    يبدأ المزمور: «كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ، هكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور42: 1).

    ثم: «عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ، إِلَى الإِلهِ الْحَيِّ»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور42: 2).

    ثم يتكلم عن الدموع: «صَارَتْ لِي دُمُوعِي خُبْزًا نَهَارًا وَلَيْلًا»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور42: 3).

    ثم يتذكر أيام العبادة والجماعة: «أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ مَعَ الْجُمْهُورِ، أَتَدَرَّجُ مَعَهُمْ إِلَى بَيْتِ اللهِ»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور42: 4).

    إذن نحن أمام إنسان: يشتاق → يتألم → يبكي → يتذكر → يسأل نفسه → ثم يرجو الله.

    وهذا مهم جدًا في المشورة المسيحية: الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ لا يقدم الإيمان باعتباره غياب الألم، بل يقدم لنا طريقة كتابية للتعامل مع الألم.

    ثانيًا: «لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي؟»

    الكلمة العبرية المترجمة «منحنية» هي:    שָׁחַח=    shachach

    وتحمل معنى الانحناء أو الانخفاض أو الانكسار أو الخضوع.

    وفي هذا السياق تصف حالة داخلية من الانحناء النفسي والحزن والانخفاض.

    لاحظ أن المرنم لا يقول: «أنا لا ينبغي أن أحزن».

    بل يقول: «لماذا أنتِ منحنية؟». وهذا فرق بالغ الأهمية.

    هو يعترف بالحالة قبل أن يحاول التعامل معها.

    ثالثًا: الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ يسمح للإنسان أن يسأل عن حال نفسه

    المرنم لا يهرب من نفسه.

    بل يقف أمام نفسه ويسألها: «لماذا أنتِ منحنية يا نفسي؟»

    وهنا نرى شكلًا مهمًا من الوعي الذاتي.

    إنه لا يصبح أسيرًا لمشاعره، وفي الوقت نفسه لا ينكرها.

    هناك فرق بين: «أنا حزين، إذن كل شيء انتهى».

    وبين: «أنا حزين؛ لماذا أنا حزين؟ وماذا يحدث داخلي؟ وكيف أستجيب لله وسط هذا الألم؟».

    الأولى تجعل الشعور هو الحكم النهائي.

    أما الثانية فتجعل الشعور موضوعًا للفحص.

    وهذا يتوافق بصورة جميلة مع: «اخْتَبِرْنِي يَا اللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي. امْتَحِنِّي وَاعْرِفْ أَفْكَارِي»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور139: 23).

    رابعًا: «وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟»

    التعبير هنا أكثر عمقًا من مجرد الحزن.

    فالمرنم لا يصف فقط حالة عاطفية، وإنما يسمع اضطرابًا داخليًا.

    النفس تتألم، والإنسان يشعر بهذا الألم في داخله.

    وهذا يعلمنا أن الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ لا يفصل الإنسان إلى أجزاء مستقلة بصورة ميكانيكية.

    فالإنسان الكتابي: يفكر. ويشعر. ويرغب. ويخاف. ويرجو. ويتذكر. ويقرر. ويعبد.

    كل ذلك يتفاعل داخل الإنسان.

    ولهذا فإن المشورة الكتابية الجيدة لا تقول للإنسان: »لا تشعر«.

    بل تساعده على أن يقول: »أفهم ما أشعر به، وأفهم لماذا قد أشعر به، ثم أتعلم كيف أستجيب له في ضوء الله«.

    خامسًا: السؤال «لماذا؟» لا يعني بالضرورة أن المرنم وجد إجابة

    هذه نقطة مهمة جدًا.

    المرنم يسأل: »لماذا أنت منحنية يا نفسي؟«.

    لكن النص لا يعطينا تفسيرًا كاملًا لكل أسباب حزنه.

    فهو لا يقول: »عرفت الآن السبب الكامل لكل ما يحدث«.

    وهنا يقدم الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ نموذجًا ناضجًا جدًا للتعامل مع الألم:

    يمكن أن لا أفهم كل أسباب ألمي، ومع ذلك أستطيع أن أتمسك بالله.

    وهذا يتفق مع سِفْرُ أَيُّوبَ.

    أيوب طرح أسئلة كثيرة عن سبب ألمه، لكنه لم يحصل على تفسير تفصيلي لكل حدث وقع له.

    وفي النهاية لم تكن الإجابة: »لقد فهمت كل شيء«.

    بل كان هناك انتقال إلى معرفة أعمق بالله: »بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي«(سِفْرُ أَيُّوبَ42: 5).

    إذن أحيانًا لا تكون الإجابة على الألم شرحًا كاملًا للسبب، بل عمقًا جديدًا في العلاقة مع الله.

    سادسًا: «ارْتَجِي اللهَ»: هنا يحدث التحول

    بعد أن يعترف المرنم بحالة نفسه، يعطيها توجيهًا: »ارْتَجِي اللهَ«. وهذه هي النقلة الأساسية في الآية.

    لاحظ الترتيب: انحناء → سؤال → رجاء.

    لم يقل:  »تجاهلي حزنك«.

    ولم يقل: »تظاهري بأنك بخير«.

    ولم يقل:  »كل شيء سيكون كما تريدين«.

    بل قال:  »ارتجي الله«. أي أن مركز الرجاء ليس النتيجة فقط، وإنما الله نفسه.

    وهذه نقطة جوهرية في مفهوم الرجاء في الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ.

    سابعًا: الرجاء هنا ليس تفاؤلًا نفسيًا

    هناك فرق بين: التفاؤل: »أتوقع أن الأمور ستتحسن«.

    وبين: الرجاء الكتابي: »أنا لا أعرف كل ما سيحدث، لكنني أعرف الله الذي أضع رجائي فيه«.

    ولهذا يقول المرنم: »ارْتَجِي اللهَ«

    وليس: »ارتجي الظروف«.

    ولا:  »ارتجي الناس«.

    ولا:  »ارتجي أن تتحقق خطتك«.

    بل: الله هو موضوع الرجاء.

    وهذا يتفق مع: »لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي؟ وَلماذا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ ارْتَجِي اللهَ، لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور42: 11).

    ثامنًا: «لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ»: كلمة «بعد» مهمة جدًا

    هذه من أجمل كلمات الآية: «لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ»

    أي: الآن توجد الدموع، لكن القصة لم تنتهِ.

        الآن توجد الضيقة، لكن العبادة لم تنتهِ.

       الآن أنا منحنٍ، لكن الانحناء ليس هويتي النهائية.

      الآن لا أرى الإتمام، لكنني أتوقع أن يأتي وقت أحمد فيه الله.

    وهذا هو جوهر الرجاء.

    الرجاء يستطيع أن يقول: »ما أراه الآن ليس بالضرورة نهاية القصة«.

    وهذا يتوافق مع: »لأَنَّنَا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا. وَلَكِنَّ الرَّجَاءَ الْمَنْظُورَ لَيْسَ رَجَاءً، لأَنَّ مَا يَنْظُرُهُ أَحَدٌ كَيْفَ يَرْجُوهُ أَيْضًا؟«(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ رُومِيَةَ8: 24).

    تاسعًا: الرجاء لا ينكر الواقع، لكنه يرفض أن يجعل الواقع الحالي الكلمة الأخيرة

    هذه نقطة أساسية في المشورة.

    قد يقول الشخص: »أنا الآن متألم«.

    والرجاء لا يجبره على قول: »أنا لست متألمًا«.

    بل يمكن أن يقول: »أنا متألم، لكن ألمي ليس كل الحقيقة، وحاضري ليس نهاية القصة«.

    وهذا نضج مهم جدًا.

    فالإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ يجمع بين الاعتراف بالألم والرجاء: »8مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ؛ مُتَحَيِّرِينَ، لَكِنْ غَيْرَ يَائِسِينَ«(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ الثَّانِيةُ إِلَى أَهْلِ كُورِنْثُوسَ4: 8).

    لاحظ: متحيرين غَيْر يائسين. أي أن عدم فهم الإنسان للظرف لا يعني بالضرورة فقدان الرجاء. 

    عاشرًا: «لأَجْلِ خَلاَصِ وَجْهِهِ«

    هذه العبارة عميقة جدًا.

    في بعض الترجمات تُفهم بمعنى: »خلاص وجهه«. والفكرة مرتبطة بحضور الله وظهور خلاصه.

    المرنم لا يقول فقط:  »سأحمد الله لأن المشكلة ستنتهي«.

    بل إن رجاءه مرتبط بأن الله سيظهر خلاصه ويُظهر وجهه بالنعمة.

    وهنا يصبح الله نفسه مركز الرجاء، وليس مجرد الأشياء التي يعطيها الله.

    وهذا يتفق مع: »25مَنْ لِي فِي السَّمَاءِ؟ وَمَعَكَ لاَ أُرِيدُ شَيْئًا فِي الأَرْضِ«(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور73: 25).

    الحادي عشر: النص يقدم لنا «حوارًا داخليًا» كتابيًا

    وهذه نقطة شديدة الأهمية في موضوع القلب والدوافع الذي كنت تسأل عنه.

    المرنم يخاطب نفسه: »يَا نَفْسِي«.

    وهذا يعني أن الإنسان يستطيع أن يتوقف أمام أفكاره ومشاعره بدل أن يصبح أسيرًا لها.

    يمكننا تصور التسلسل هكذا:

    النفس تشعر → الإنسان يلاحظ الشعور → يسأل → يراجع → يوجه نفسه → يرجو الله.

    وهذا يختلف عن:

    النفس تشعر → الإنسان يصدق الشعور بالكامل → يتصرف بناء عليه.

    الثاني عشر: ماذا نتعلم عن العلاقة بين الشعور والحقيقة؟

    الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ لا يقول إن المشاعر كاذبة.

    الحزن حقيقي. والخوف حقيقي. والألم حقيقي. والوحدة حقيقية.

    لكن الشعور الحقيقي لا يعني بالضرورة أن كل تفسير نضعه لهذا الشعور صحيح.

    مثلاً: »أنا أشعر أن الله تركني«. هذا شعور حقيقي.

    لكن:  »إذن الله تركني فعلًا«.

    هذه نتيجة تحتاج إلى فحص كتابي، ولا نستطيع استنتاجها من الشعور وحده.

    وهنا تأتي أهمية قول المرنم: »ارْتَجِي اللهَ«.

    أي إنه لا يسمح لشعوره الحالي أن يكون المرجع النهائي للحقيقة.

    الثالث عشر: ماذا نتعلم عن القلق والاكتئاب والألم النفسي؟

    يجب هنا أن نكون دقيقين.

    سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور 42 يقدم نموذجًا روحيًا للتعامل مع الحزن والضيق، لكنه ليس تشخيصًا طبيًا للاكتئاب السريري، ولا ينبغي استخدامه للقول إن كل اضطراب نفسي سببه ضعف الإيمان أو نقص الرجاء.

    قد يحتاج الإنسان إلى:

    • صلاة.
    • دعم رعوي.
    • علاقة آمنة.
    • مشورة نفسية.
    • تقييم طبي أو نفسي عند الحاجة.
    • علاج متخصص.

    وكل ذلك لا يتعارض بالضرورة مع الرجاء في الله.

    فالإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ نفسه يقدم صورة الإنسان الذي يصرخ ويبكي ويشكو ويتساءل، دون أن يختزل حياته كلها في «ضعف إيمان».

    الرابع عشر: علاقة الآية بنموذج «الألم – التزكية – الصبر».

    هذه الآية مناسبة جدًا لهذا النموذج، ولكن مع ضرورة عدم تحميل النص أكثر مما يقول.

    يمكن أن نستخلص منه:

    الألم: »لماذا أنت منحنية يا نفسي؟». المرنم لا ينكر الألم.

    الوعي: »لماذا تئنين فيَّ؟».يبدأ بفهم ما يحدث داخله.

    الرجاء: »ارتجي الله». ينقل مركز الثقل من الألم إلى الله.

    المستقبل: «لأني بعد أحمده». ينظر إلى ما وراء اللحظة الحالية.

    النتيجة: الألم لا يصبح نهاية القصة، بل يصبح مساحة لممارسة الرجاء والثبات.

    لكن الآية نفسها لا تقول إن سبب الألم هو بالضرورة «تزكية»؛ لذلك ينبغي ألا نقول لكل متألم إن الله يرسل ألمه ليزكيه. هذا استنتاج يتجاوز النص.

    الخامس عشر: ماذا نتعلم عن الصبر؟

    المرنم يقول: «بعد أحمده.«

    أي إنه لا يرى الإتمام فورًا.

    هناك فترة بين: الألم الحالي ، والحمد المستقبلي. وهذه المسافة تحتاج إلى الصبر.

    ولهذا يقول الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ: «25فَإِنْ كُنَّا نَرْجُو مَا لَسْنَا نَنْظُرُهُ فَإِنَّنَا نَتَوَقَّعُهُ بِالصَّبْرِ«(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ رُومِيَةَ8: 25).

    إذن: الرجاء يعطي اتجاهًا، والصبر يعطي قدرة على الاستمرار أثناء المسافة.

    السادس عشر: لا نلاحظ فقط «الانحناء»؛ نلاحظ أيضًا أن النفس ما زالت قادرة على الرجاء

    وهذا أمر مشجع جدًا.

    المرنم يقول: «نفسي منحنية.«

    لكنه في الوقت نفسه يقول: «ارتجي الله.«

    إذن يمكن أن يجتمعا:

    الضعف + الإيمان           الدموع + الرجاء

    السؤال + الثقة               الحيرة + العبادة

    وهذا يمنعنا من بناء صورة غير واقعية عن الحياة الروحية، وكأن الإنسان المؤمن يجب ألا يشعر بالألم.

    السابع عشر: ماذا نتعلم عن المسؤولية الشخصية؟

    النص لا يجعل المرنم عبدًا لمشاعره.

    هو يقول لنفسه: «ارتجي الله.« وهنا تظهر المسؤولية الشخصية.

    ليس الإنسان مسؤولًا عن اختيار كل شعور يظهر فيه، لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يستجيب له.

    مثلاً: لا أختار دائمًا أن أشعر بالخوف.

    لكن يمكنني أن أتعلم:

    • ألا أجعل الخوف وحده يقود قراراتي.
    • أن أطلب المساعدة.
    • أن أصلي.
    • أن أفحص أفكاري.
    • أن أتحقق من الواقع.
    • أن أختار خطوة حكيمة رغم الخوف.

    وهذا مهم جدًا في علم المشورة.

     

    الثامن عشر: تطبيق مشوري عملي من سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور42: 5

    يمكن تحويل النص إلى نموذج من ست خطوات:

    1)   تسمية الحالة: «ما الذي أشعر به الآن؟«

    2)   الاعتراف: «أنا بالفعل متألم / حزين / خائف.«

    3)   الاستكشاف: «لماذا أنا منحنٍ؟ ماذا حدث؟ ماذا أفكر؟ ماذا أخشى؟«

    4)   التمييز: «ما الذي أعرفه حقيقة، وما الذي أستنتجه بسبب ألمي؟«

    5)   إعادة توجيه الرجاء: «على ماذا أضع رجائي؟ على نتيجة محددة أم على الله؟«

    6)   خطوة اليوم: «ما الشيء الأمين والحكيم الذي أستطيع فعله الآن؟«

    وهكذا يتحول النص من مجرد آية للحفظ إلى منهج للتعامل مع الضيق.

     

    التاسع عشر: أسئلة مشورية مستوحاة من النص

    يمكن للمرشد أن يسأل المتشاور:

    v   حول الانحناء

    • ما الذي جعلك تشعر بأن نفسك منحنية؟
    • متى بدأ هذا الشعور؟
    • كيف يظهر في حياتك؟

    v   حول الأنين

    • ما أكثر شيء يؤلمك في هذه المرحلة؟
    • ما الأفكار التي تتكرر داخلك؟
    • ما أكثر شيء تخاف أن يحدث؟

    v   حول الرجاء

    • أين تضع رجاءك حاليًا؟
    • هل رجاؤك متعلق بالله أم بنتيجة محددة؟
    • ماذا يحدث لإيمانك عندما تتأخر النتيجة؟

    v   حول «بعد«

    • هل تستطيع أن تصدق أن قصتك لم تنتهِ عند هذه اللحظة؟
    • ما الذي تستطيع أن تفعله بأمانة اليوم، حتى لو لم تتغير الظروف بعد؟

     

    العشرون: مقارنة مهمة جدًا

    الاستجابة

    موقف النفس

    إنكار الألم

    »لا يوجد شيء يؤلمني»

    الاستسلام

    »لن يتغير شيء أبدًا«

    الاجترار

    »سأظل أفكر في المشكلة بلا نهاية«

    التبرير السريع

    »أكيد أعرف لماذا سمح الله بهذا«

    الرجاء الكتابي

    »أنا أتألم، ولا أفهم كل شيء، لكنني سأرتجي الله«

    وهذه الأخيرة هي الأقرب إلى حركة سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور 42.

     

    الحادي والعشرون: العلاقة مع سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور 43:5

    تكرار الآية تقريبًا في سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور 43: 5 مهم جدًا:

    »لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي؟ وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ ارْتَجِي اللهَ، لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ، إِلهَ وَجْهِ وَخَلاَصِي«.

    إذن التكرار نفسه يعلّمنا أن المشكلة لم تختفِ بالضرورة بعد أول مرة.

    المرنم يحتاج إلى إعادة توجيه نفسه مرة أخرى.

    وهذا قريب جدًا من طبيعة النمو الروحي والنفسي:

    أحيانًا نعرف الحقيقة، ثم نحتاج أن نذكر أنفسنا بها مرة أخرى.

    الإيمان ليس مجرد معرفة معلومة واحدة، بل ممارسة مستمرة للثقة.

    الثاني والعشرون: ماذا يقول النص عن القلب؟

    إذا ربطنا هذه الآية بدراستنا السابقة عن القلب كمركز للدوافع، نجد أن هناك حركة مهمة:

    القلب يتألم → النفس تفسر → الإنسان يفحص → يوجه نفسه → يعيد ترتيب رجائه.

    وهذا يوضح أن النمو الداخلي لا يعني القضاء الفوري على المشاعر الصعبة، وإنما تعلم التعامل معها في ضوء الله.

     

    v   الخلاصة الكبرى:

    يمكن تلخيص رسالة سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور 42: 5 في سبع حقائق:

    1.   اعترف بألمك ولا تنكره.

    2.   توقف أمام نفسك واسأل: لماذا أنا منحنٍ؟

    3.   لا تجعل الشعور وحده يحدد الحقيقة.

    4.   لا يلزم أن تفهم كل أسباب الألم لكي تتمسك بالله.

    5.   وجّه رجاءك إلى الله، لا إلى نتيجة معينة فقط.

    6.   تذكر أن الحاضر ليس بالضرورة نهاية القصة: «لأني بعد أحمده«.

    7.   استمر في الأمانة أثناء فترة الانتظار.

    والفكرة المركزية التي أراها في النص هي: المؤمن قد تكون نفسه منحنية، لكن انحناء النفس لا يجب أن يتحول إلى يأس؛ يستطيع الإنسان، بنعمة الله، أن يحوّل انتباهه من الألم الذي يراه الآن إلى الله الذي يضع فيه رجاءه، منتظرًا أن يأتي وقت يقول فيه: «بعدُ أحمده«.

    وهنا توجد صياغة مهمة جدًا في المشورة المسيحية:

    ليس الهدف أن نجعل المتشاور يتوقف عن الشعور بالألم، بل أن نساعده على ألا يصبح الألم هو المفسِّر الوحيد لحياته، وأن يتعلم أن يفهم ألمه، ويعبّر عنه، ويتعامل معه بمسؤولية، ويضع رجاءه في الله، ويواصل النمو أثناء فترة الانتظار.

    v   مراجع كتابية أساسية للدراسة

    للتواصل:


    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    Item Reviewed: لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي إعداد د. القس سامي منير إسكندر Rating: 5 Reviewed By: د. القس سامي منير اسكندر
    Scroll to Top