• اخر الاخبار

    أمثال 8 مقارنة بالعهد الجديد في لاهوت كريستولوجيا الحكمة إعداد وتعريب وتمصير د. القس / سامي منير إسكندر





    أمثال 8 مقارنة بالعهد الجديد في لاهوت كريستولوجيا الحكمة


    إعداد وتعريب وتمصير


    د. القس / سامي منير إسكندر

     

    تحليل تفصيلي لأمثال 8 مقارنة بالعهد الجديد في لاهوت كريستولوجيا الحكمة

    تُعدّ كريستولوجيا الحكمة (Wisdom Christology) واحدة من أقدم وأعمق الأطر اللاهوتية التي استخدمها كُتّاب العهد الجديد لصياغة هوية الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وأزليته؛ حيث وجد الرسل في شخصنة الحكمة العبرية (حُخْماه / Chokmah)— ولاسيما في سفر الأمثال 8— اللغة الموحى بها التي تُمكّنهم من إعلان ألوهية الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ودوره في الخلق والفداء دون المساس بالتوحيد الكتابي.

    1. التأسيس النصوصي: الحكمة في أمثال 8

    في سفر الأمثال 8، تُقدَّم الحكمة كشخص يتكلم، وله صفات واضحة تشكّل البنية التحتية لكريستولوجيا العهد الجديد:

    الأزلية والمعية الإلهية: «اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ، مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ مُنْذُ الْقِدَمِ... كُنْتُ عِنْدَهُ صَانِعاً» (أمثال 8: 22و30).

    الوساطة في الخلق: الحكمة كانت حاضر العامل الفاعل والمصمم مع الله عند تأسيس السماوات والأرض (أمثال 8: 27-29).

    المحبة والمشاركة مع البشر: «لَذَّاتِي مَعَ بَنِي آدَمَ» (أمثال 8: 31).

    مصدر الحياة والخلاص: «مَنْ يَجِدُنِي يَجِدُ الْחَيَاةَ وَيَنَالُ رِضًى مِنَ الرَّبِّ» (أمثال 8: 35).

    2. تجليات كريستولوجيا الحكمة في كتابات العهد الجديد

    أ. الرسول بولس: المسيح "حكمة الله" وترنيمة كولوسي (كولوسي 1)

    أعلن بولس صراحة في 1 كورنثوس 1: 24 أن «الْمَسِيحُ قُوَّةُ اللهِ وَحكْمَةُ اللهِ». لكن التطبيق اللاهوتي الأعمق يظهر في ترنيمة الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الخالق (كولوسي 1: 15-20)، والتي تُعتبر إعادة صياغة لاهوتية لأمثال 8:

     

    العبارة في ترنيمة كولوسي 1

    النص المقابل في أمثال 8 / أدبيات الحكمة

    البُعد اللاهوتي والكريستولوجي

    «الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنظُورِ» (كولوسي 1: 15)

    الحكمة هي "بهاء النور الأزلي ومصقلة قدرة الله وصورته" (حكمة سليمان 7: 26).

    المسيح هو الإعلان الحصري والكامل لجوهر الآب.

    «بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ» (كولوسي 1: 15)

    «اَلرَّبُّ قَنَانِي [أو أَنْتَجَنِي] أَوَّلَ طَرِيقِهِ» (أمثال 8: 22).

    البكورية هنا لا تعني "أول المخلوقات"، بل السيادة الأزلية والأسبقية الوجودية على كل الخلق.

    «فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ... الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ» (كولوسي 1: 16)

    «كُنْتُ عِنْدَهُ صَانِعاً» (أمثال 8: 30).

    تحويل دور الحكمة كصانع إلى دور المسيح كعلة فاعلة وغاية أخيرة للكون.

    «الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ שַׁيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ» (كولوسي 1: 17)

    «مُنْذُ الأَزَلِ أُقِمْتُ، مِنَ الْبَدْءِ» (أمثال 8: 23).

    المسيح هو حفظة الوجود وثبات الكون بنفس سلطان الحكمة الإلهية.

    ب. يوحنا اللاهوتي: اللوجوس كالحكمة المتجسدة (يوحنا 1)

    استخدم يوحنا مصطلح Logos (الكلمة) في المقدمة، لكنه ألبسه الثوب اللاهوتي لـ Chokmah (الحكمة):

    يوحنا 1: 1 («فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ»): يُقابل أمثال 8: 22-23، 30 عن كينونة الحكمة قبل الزمان ووجودها "عند" الله.

    يوحنا 1: 3 («كُلُّ שַׁيْءٍ بِهِ كَانَ»): يُطابق دور الحكمة في تأسيس العالم (أمثال 3: 19 و8: 27).

    يوحنا 1: 14 («وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَחَلَّ بَيْنَنَا»): يُطور ما ورد في أمثال 8: 31 عن سكنى الحكمة مع بني آدم؛ حيث انتقل يوحنا بالحكمة من مجرد "الوجود المعنوي/الروحي" إلى التجسد التاريخي الحقيقي.

    ج. الرسالة إلى العبرانيين: بهاء المجد ورسم جوهره (عبرانيين 1)

    تفتتح الرسالة إلى العبرانيين بـ عبرانيين 1: 2-3: «الَّذِي بِهِ أَيْضاً عَمِلَ الْعَالَمِينَ، الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ...».

    استخدم الكاتب الكلمة اليونانية παύγασμα (Apaugasma - بهاء/شعاع)، وهي نفس المفردة المستخدمة في الترجمة السبعينية (LXX) لوصف الحكمة الإلهية في الأسفار الحكمية، لتأكيد أن المسيح هو النور الصادر أزلياً من جوهر الآب.

    3. التحول اللاهوتي الحاسِم (The Christological Shift)

    لم يكتفِ كُتّاب العهد الجديد بنقل نصوص سفر الأمثال 8 حرفياً، بل أحدثوا ثورة لاهوتية إعادة تشكيل المفاهيم:

                                 الثورة الكريستولوجية لـ الحكمة

     

    1) من الصفة/الرمز إلى الشخص 

    2) من الخلق إلى الفداء

    الحكمة في أمثال 8 كانت شخصنة الأدبية (Personification)  

    الحكمة في العهد الجديد لم تعد تقتصر على

    لصفة إلهية؛

    في المسيح أصبحت شخصاً واقعياً (Person).

    الخلق، بل امتدت لتشمل حكمة الصليب والفداء.

     

    1.   تجاوز إشكالية الخلق (التفرقة بين "قناني" و"ولدني"):

    اعتمد الآريوسيون لاحقاً على الترجمة السبعينية لأمثال 8: 22 (κτισέν με - خلقني) للادعاء بأن المسيح مخلوق. لكن الرسل في العهد الجديد (مثل بولس ويوحنا) صاغوا أزلية المسيح بأسلوب يُخرجه تماماً من طائفة الخلائق؛ فرسالة كولوسي تؤكد أنه خالق كل الأشياء، وبالتالي لا يمكن أن يكون هو نفسه جزءاً من المخلوقات.

    2.   ارتباط الحكمة بالصليب:

    في الوقت الذي كانت فيه الحكمة الرواقية واليهودية تُطلب كالسمو العقلي أو التمجيد، أعلن بولس مفارقة إلهية: «نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوباً... قُوَّةِ اللهِ وَחِكْمَةِ اللهِ» (1 كورنثوس 1: 23-24)؛ حيث أصبحت حكمة الله المعلنة في المسيح مقترنة بالاتضاع والفداء.

    4. الخلاصة

    تُعد كريستولوجيا الحكمة الركيزة الكتابية الأولى التي سمحت للكنيسة الأولى بالفهم المبكر لألوهية المسيح وأزليته؛ فمن خلال سفر الأمثال 8، أدرك كتاب العهد الجديد أن الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الناصري ليس مجرد نبي أو معلم حكمة، بل هو الحكمة الإلهية الأزلية ذاتها التي بها خُلقت العوالم، والتي نزلَت وشخَصت في التاريخ البشري لتمنح الحياة والخلاص لكل من يقبله.

    للتواصل:

    Shamsmasr.jesus@gmail.com


    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    Item Reviewed: أمثال 8 مقارنة بالعهد الجديد في لاهوت كريستولوجيا الحكمة إعداد وتعريب وتمصير د. القس / سامي منير إسكندر Rating: 5 Reviewed By: د. القس سامي منير اسكندر
    Scroll to Top