• اخر الاخبار

    مفهوم القَلْبِ بمعنى العقل أو التفكير إعداد د. القس / سامي منير إسكندر

     


    مفهوم القَلْبِ بمعنى العقل أو التفكير

    إعداد

    د. القس / سامي منير إسكندر

     

    ضرب لي مثالاً من آيات الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ يوضح كيف تُرجمت هذه الكلمة بمعنى "العقل" أو "الإرادة" بدلاً من القلب العضوي؟

    أمثلة من الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ توضح كيف تُرجمت كلمة لِيب (לֵב - H3820) بمعنى "العقل / التفكير" وبمعنى "الإرادة / النية"، بدلاً من المعنى العضوي للقلب:

    أولاً: مثال على استخدامها بمعنى "العقل" أو "التفكير" (Mind):

    في الثقافة العبرية القديمة، كان "القلب" هو مركز العمليات العقلية والتفكير والتأمل، وليس الدماغ.

    الشاهد: «9قَلْبُ الإِنْسَانِ يُفَكِّرُ فِي طَرِيقِهِ وَالرَّبُّ يَهْدِي خَطْوَتَهُ»(سِفْرُ الأَمْثَالُ16: 9).

    النص العربي: "قَلْبُ [לֵב - لِيب] الْإِنْسَانِ يُفَكِّرُ فِي طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ يَهْدِي خَطَوَاتِهِ".

    الشرح: هنا، التفكير والتخطيط الذهني يُنسبان إلى "القلب" (لِيب). فالمعنى هنا ليس أن العضو العضوي للقلب يفكر، بل المقصود هو عقل الإنسان وفكره الذي يضع الخطط والقرارات.

    نص الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ: «1لِلإِنْسَانِ تَدَابِيرُ الْقَلْبِ وَمِنَ الرَّبِّ جَوَابُ اللِّسَانِ»(سِفْرُ الأَمْثَالُ16: 1). هذه الآية تقدم تعليمًا عميقًا عن التفكير والتخطيط والمسؤولية الإنسانية وسيادة الله. فهي لا تنكر أن الإنسان يفكر ويخطط ويتخذ قرارات، لكنها تضع هذه القدرات داخل إطار أوسع: الإنسان يخطط، أما تحقق الأمور ومآلاتها النهائية فليست تحت سيطرته المطلقة.

    أولًا: شرح الألفاظ الأساسية

    1)   »لِلإِنْسَانِ»

    الآية تتحدث عن الإنسان بوصفه كائنًا يمتلك القدرة على التفكير والتدبير والتوجه نحو المستقبل.

    وهذا يتفق مع نصوص أخرى تؤكد مسؤولية الإنسان عن قراراته:

    »أَمَّا قَلْبُ الْعَاقِلِ فَيَطْلُبُ مَعْرِفَةً» (سِفْرُ الأَمْثَالُ15: 14).

    فالإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ لا يقدم الإنسان باعتباره آلة تتحرك دون وعي، بل كائنًا يستطيع أن يفكر ويختار ويتعلم ويعيد تقييم طرقه.

    2)   »تَدَابِيرُ الْقَلْبِ»

    الكلمة العبرية المرتبطة بفكرة «التدابير» هي מַחְשְׁבוֹת  =(Maḥăšāḇōṯ)، وهي مرتبطة بجذر يدل على التفكير والتصور والتخطيط والحساب أو التدبير.

    أما «القلب» فهو לֵב (Lev)، ولا يقتصر هنا على العضو الجسدي، بل يشير إلى الحياة الداخلية للإنسان، بما فيها:

    • التفكير والتصور.
    • النية والقصد.
    • التقدير والتخطيط.
    • اتخاذ القرار.
    • التوجهات والرغبات.

    لذلك يمكن فهم العبارة على النحو الآتي:

    الإنسان يكوّن في داخله أفكارًا ومقاصد وخططًا، ثم يسعى إلى التعبير عنها وتنفيذها.

    وهذا لا يعني أن كل خطة صحيحة أو أن كل دافع داخلي جدير بالاتباع؛ فالإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ يدعو إلى فحص القلب والحكمة والتمييز.

    ثانيًا: «وَمِنَ الرَّبِّ جَوَابُ اللِّسَانِ»

    هذه العبارة تعلن أن الإنسان، رغم امتلاكه القدرة على التفكير والتخطيط، لا يملك السيطرة الكاملة على النتائج أو على كل ما سيقوله ويحدث له.

    ما المقصود بـ«جواب اللسان»؟

    يمكن فهم العبارة في ضوء السياق على أنها تشير إلى:

    • ما يخرج من فم الإنسان من إجابة أو كلام.
    • النتيجة التي تظهر بعد التخطيط.
    • التوجيه أو الاستجابة التي يهبها الله.
    • محدودية قدرة الإنسان على التحكم الكامل في مجريات الأمور.

    ولا تعني الآية أن الإنسان لا يفكر أو لا يستعد، بل تعني أن التخطيط البشري لا يستقل عن سلطان الله وعنايته.

    ويؤكد المعنى العدد التالي: »كُلُّ طُرُقِ الإِنْسَانِ نَقِيَّةٌ فِي عَيْنَيْهِ، وَالرَّبُّ وَازِنُ الأَرْوَاحِ»(أمثال16: 2).

    فالإنسان قد يرى خطته صالحة ومقنعة، لكن الله يفحص الدوافع والنيات الداخلية.

    ثالثًا: الدرس الأول: الله أعطى الإنسان قدرة التفكير والتخطيط

    الآية لا تدين التخطيط، بل تفترض وجوده.

    فالإنسان يستطيع أن:

    1.   يحدد هدفًا.

    2.   يجمع المعلومات.

    3.   يدرس البدائل.

    4.   يتوقع النتائج.

    5.   يضع خطة.

    6.   يراجع قراراته.

    وهذه القدرات يمكن أن تكون جزءًا من الحكمة التي يستخدمها الإنسان في حياته.

    يقول الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ:

    »تَدَابِيرُ الْمُجْتَهِدِ تَقُودُ إِلَى الْخَصْبِ، أَمَّا كُلُّ عَجُولٍ فَإِنَّمَا إِلَى الْعَوَزِ» (أمثال 21: 5).

    إذن، الإيمان بالله لا يعني إلغاء العقل أو رفض التخطيط، بل استخدام العقل في إطار الاتكال على الله والحكمة.

    v   تطبيق مشوري: يمكن للمشير أن يساعد المتشاور على الانتقال من:

    »لا أستطيع أن أفعل شيئًا؛ كل شيء متروك للظروف«

    إلى:  »أستطيع أن أفكر وأخطط وأتحمل مسؤوليتي، مع الاعتراف بأن النتائج النهائية ليست تحت سيطرتي الكاملة.« وهذا يحقق توازنًا بين المسؤولية الإنسانية والتواضع أمام سيادة الله.

    رابعًا: الدرس الثاني: التخطيط لا يساوي ضمان النتيجة

    هناك فرق مهم بين:

           التخطيط                      ضمان النتيجة

    فعل بشري مسؤول                افتراض السيطرة الكاملة

    يعتمد على المعلومات المتاحة     يفترض معرفة المستقبل

    قابل للمراجعة والتعديل          قد يؤدي إلى التصلب والقلق

    يعترف بالاحتمالات               يرفض قبول عدم اليقين


    يقول الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ: «هُوَذَا أَنْتُمُ الَّذِينَ تَقُولُونَ: الْيَوْمَ أَوْ غَدًا نَذْهَبُ إِلَى هذِهِ الْمَدِينَةِ... أَنْتُمُ الَّذِينَ لَا تَعْرِفُونَ أَمْرَ الْغَدِ»(رِّسَالَةُ يَعْقُوبُ الرَّسُولِ4: 13–14).

    ثم يضيف: «عِوَضَ أَنْ تَقُولُوا: إِنْ شَاءَ الرَّبُّ وَعِشْنَا نَفْعَلْ هذَا أَوْ ذَاكَ»(رِّسَالَةُ يَعْقُوبُ الرَّسُولِ4: 15). المقصود ليس مجرد إضافة عبارة «إن شاء الرب» إلى الكلام، بل تبني موقف داخلي يعترف بحدود المعرفة والسيطرة.

    v   تطبيق على القلق

    أحيانًا لا يكون مصدر القلق هو التخطيط نفسه، بل الاعتقاد التالي:

    «إذا خططت جيدًا، فيجب أن تحدث النتيجة التي أريدها».

    لكن الحياة تتضمن عوامل لا يستطيع الإنسان التحكم فيها. لذلك يمكن أن يكون النضج النفسي والروحي هو القدرة على:

    • التخطيط بجدية.
    • قبول عدم اليقين.
    • تعديل الخطة عند الضرورة.
    • تحمل خيبة الأمل.
    • طلب المساعدة.
    • الاستمرار في اتخاذ قرارات مسؤولة.

    خامسًا: الدرس الثالث: الله يهتم بدوافع القلب، وليس فقط بشكل الخطة

    تقول الآية: «وَالرَّبُّ وَازِنُ الأَرْوَاحِ» (أمثال 16: 2).

    قد تكون أمامنا خطتان متشابهتان من الخارج، لكن الدافع وراء كل واحدة مختلف.

    مثال: قد يخدم شخصٌ الآخرين بدافع:

    • المحبة والعطاء.
    • الرغبة في الحصول على التقدير.
    • الخوف من الرفض.
    • الشعور بالذنب.
    • محاولة السيطرة على الآخرين.

    السلوك الظاهر قد يبدو متشابهًا، لكن الحالة الداخلية مختلفة.

    لهذا لا تكتفي المشورة الكتابية بالسؤال: «ماذا فعلت؟«

    بل تسأل أيضًا: «لماذا فعلت ذلك؟ وما الذي كنت تطلبه أو تخشاه؟«

    ويقول بولس: «وَإِنْ كُنْتُ أُعْطِي كُلَّ أَمْوَالِي...وَلَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَيْسَ لِي شَيْءٌ»(1كورنثوس13: 3).

    النص يوضح أن القيمة الروحية لا تتحدد بالفعل الخارجي وحده، بل ترتبط أيضًا بالمحبة والدافع.

    تنبيه: لا يستطيع المشير أن يعرف دوافع الشخص معرفة كاملة من السلوك الظاهر، ولذلك ينبغي الاستكشاف بتواضع، لا إصدار أحكام متسرعة.

    سادسًا: الدرس الرابع: الإنسان مسؤول عن تدابير قلبه

    إذا كان للإنسان «تدابير القلب»، فهذا يلفت النظر إلى مسؤوليته عن طريقة تفكيره وقراراته.

    لكن المسؤولية لا تعني أن الإنسان يتحكم في كل فكرة تلقائية أو كل انفعال أو كل ظرف خارجي.

    ينبغي التمييز بين:

    ما يقع ضمن مسؤولية الإنسان

    • مراجعة أفكاره.
    • طلب المشورة والحكمة.
    • الاعتراف بالأخطاء.
    • تعديل الخطط.
    • اتخاذ خطوات مناسبة.
    • طلب المساعدة عند الحاجة.

    ما لا يقع تحت سيطرته الكاملة

    • قرارات الآخرين.
    • كل نتائج أفعاله.
    • الأحداث المفاجئة.
    • الماضي.
    • بعض العوامل البيولوجية والمرضية.
    • الظروف الاجتماعية والاقتصادية المعقدة.

    وهنا يصبح تعليم الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ متوازنًا: لا يعفي الإنسان من مسؤوليته، ولا يحمّله مسؤولية ما يتجاوز قدرته.

    سابعًا: الدرس الخامس: الحكمة تتطلب تسليم الخطط لله

    يقول سفر الأمثال: «سَلِّمْ لِلرَّبِّ أَعْمَالَكَ، فَتُثَبَّتَ أَفْكَارُكَ» (أمثال 16: 3).

    تسليم الأعمال للرب لا يعني التخلي عن التفكير، بل يعني أن تصبح الخطة خاضعة لمشيئة الله وحكمته، وليست وسيلة لفرض إرادتنا عليه.

    ويقول: «قَلْبُ الإِنْسَانِ يُفَكِّرُ فِي طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ يَهْدِي خَطْوَتَهُ» (أمثال 16: 9).

    نلاحظ التوازن بين فعلين:

    1.   الإنسان يفكر في طريقه.     

    2.   الرب يهدي خطوته.

    فالإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ لا يضع التفكير البشري في مواجهة قيادة الله، بل يدعو إلى ممارسة التفكير في علاقة اتكال وإرشاد.

    ثامنًا: الدرس السادس: يجب فحص الخطة قبل تنفيذها

    ليس كل ما يخطر في القلب صالحًا لمجرد أنه نابع من الداخل.

    يقول إرميا: «اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ، مَنْ يَعْرِفُهُ؟» (إرميا 17: 9).

    ويقول سفر الأمثال: «تُوجَدُ طَرِيقٌ تَظْهَرُ لِلإِنْسَانِ مُسْتَقِيمَةً، وَعَاقِبَتُهَا طُرُقُ الْمَوْتِ»(أمثال14: 12).

    لذلك يحتاج التخطيط إلى فحص متعدد الجوانب:

    v   أسئلة لفحص الخطة

    • هل تتفق مع مبادئ الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ؟
    • ما الدافع الحقيقي وراءها؟
    • هل تتضمن ظلمًا أو استغلالًا؟
    • هل تراعي مسؤولياتي تجاه الآخرين؟
    • هل درست النتائج المحتملة؟
    • هل أستطيع تعديلها إذا ظهرت معلومات جديدة؟
    • هل أطلب مشورة حكيمة؟
    • هل أستطيع قبول أن تكون النتيجة مختلفة عن رغبتي؟

    استكمال الجزء الثاني

    للتواصل:

    Shamsmasr.jesus@gmail.com


    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    Item Reviewed: مفهوم القَلْبِ بمعنى العقل أو التفكير إعداد د. القس / سامي منير إسكندر Rating: 5 Reviewed By: د. القس سامي منير اسكندر
    Scroll to Top