الرجاء
وحفظ القلب من التحجر
إعداد
د. القس سامي منير إسكندر
نص الإِعْلاَنِ
الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ:
«5لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟
ارْتَجِي اللهَ لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ لأَجْلِ خَلاَصِ وَجْهِهِ»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور42: 5). يرتبط هذا النص مباشرة بالمفهوم الذي بدأنا به
حول الألم، والقساوة، والانتظار؛ فعندما يتعرض الإنسان لخيبات أمل متكررة، قد
يحاول حماية نفسه من صدمات جديدة عبر وسائل دفاعية قاسية:
- إلغاء التوقعات تماماً.
- رفض الثقة في الآخرين.
- تجنب الدخول في علاقات جديدة.
- كتمان المشاعر وعدم التعبير عنها.
- اعتبار أن التمسك بالرجاء هو علامة
ضعف وسذاجة.
- بناء جدار داخلي سميك وحاجز حول
القلب (ما أسميناه سابقاً "تحجر القلب / Lev
Even").
الفرق بين الحماية المؤقتة والقساوة المستمرة
هناك فارق جوهرى بين الحماية النفسية المؤقتة (التي
تمنح النفس مساحة للالتقاط الأنفاس بعد صدمة قوية) وبين القساوة المستمرة التي
تتحول إلى سجن داخلي يعوق مسار الحياة، ويقطع التواصل مع الله والناس، ويفقد القلب
قدرته على البكاء أو الفرح.
التأمل في صرخة صاحب المزمور «5لِمَاذَا
أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي وَلِمَاذَا تَئِنِّينَ فِيَّ؟ ارْتَجِي اللهَ
لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ لأَجْلِ خَلاَصِ وَجْهِهِ»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور42:
5)
لاحظ أن صاحب المزمور لا يتجاهل واقعه ولا ينكر حزنه
الدفين؛ بل على العكس، هو يتحدث بصراحة تامة مع نفسه ومع الله: «لماذا أنت منحنية
يا نفسي ولماذا تئنين فيّ؟«،
ولكن في نفس اللحظة يوجه بوصلة قلبه نحو الاتجاه الصحيح: «ارتجي الله».
المبدأ
الأساسي: الرجاء الحقيقي لا يطلب من الإنسان أن
يتصطنع القوة أو يتوقف عن الشعور بالألم أو يرتدي قناع المزيف الفرح، بل يساعده
على ألا يجعل الألم والخذلان هويته النهائية أو سجنه الأبدي.
إقرار
بالاحتياج والمساندة: هذا لا يعني أن كل
إنسان يتألم يمكنه استعادة الرجاء بمجرد اتخاذ قرار إرادي سريع؛ فكثيرًا ما يحتاج
المتألمون إلى وقت طويل، وإلى علاقات بشرية آمنة، ومساعدة متخصصة (نفسية وطبية)،
إلى جانب الدعم الروحي لكي تلتئم جراحهم وتتحرر قلوبهم من قساوة الدفاعات القديمة.
كيف يحفظ الرجاء القلب حيًّا وسط الألم
والانتظار؟
هناك علاقة عميقة جدًا بين الرجاء وحالة القلب في الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ. فالإنسان الذي
يطول انتظاره، أو تتكرر خيباته، أو يتعرض للظلم والألم، قد يبدأ قلبه في التحول من
الرجاء إلى الإحباط، ومن الإحباط إلى المرارة، ومن المرارة إلى القساوة والتحجّر.
لكن الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ
يقدم طريقًا آخر:
الألم →
الانتظار →
الرجاء في الله →
الصبر →
حفظ القلب من المرارة والتحجر →
النمو والنضج.
وهذا لا يعني أن كل متألم سيتحجر قلبه، ولا أن كل
تأخير هو سبب مباشر للقساوة. لكن الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ
يحذر بوضوح من أن الإنسان يستطيع أن يستجيب للضيق بطريقة تقوده إلى القساوة، أو
بطريقة تقوده إلى الثبات والرجاء.
أولًا: ما المقصود بتحجّر القلب؟
الإِعْلاَنِ
الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ يستخدم صورًا مختلفة
للتعبير عن حالة القلب عندما يصبح أقل استجابة لله وللحق: قلب قاسٍ أو قلب غليظ، أو قلب حجري، أو قلب غير
مختون، أو قلب متقسٍ، أو قلب بعيد، أوقلب لا يسمع.
ومن أقوى الصور: »26وَأَنْزِعُ
قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ«(سِفْرُ حِزْقِيَال36: 26).
لاحظ المقابلة: قلب حجر ↔
قلب لحم
الحجر لا يستجيب بسهولة، أما القلب الحي فيستطيع أن
يستجيب لله.
ثانيًا: التحجر ليس مجرد الحزن
وهذه نقطة مهمة جدًا في المشورة.
قد يكون الإنسان:
حزينًا
لكنه حساس لله.
متألمًا
لكنه يصلي.
غاضبًا
لكنه يعترف بغضبه.
محبطًا
لكنه لا يزال يرجو.
باكيًا
لكنه لم يفقد محبته.
إذن الألم ليس هو التحجر.
التحجر يحدث عندما يتحول الألم أو الخطيئة أو الكبرياء
أو المرارة إلى موقف داخلي مستمر يجعل الإنسان أقل استعدادًا لأن يسمع الحق أو
يتوب أو يثق بالله أو يحب الآخرين.
يمكن أن نقول بصورة مبسطة: الألم يقول: «أنا أتألم«.
أما التحجر فقد يقول: «لن أثق بأحد مرة أخرى«.
أو: «لن أغفر«.
أو: «لا فائدة من الصلاة«.
أو: «أنا أعرف أن الله لن يفعل شيئًا«. وهنا تبدأ المشكلة.
ثالثًا: لماذا الرجاء مهم في حفظ القلب؟
لأن الرجاء يمنع الإنسان من اعتبار اللحظة الحالية هي الحقيقة
النهائية.
وهذا واضح جدًا في مزمور42: «لِمَاذَا أَنْتِ مُنْحَنِيَةٌ يَا نَفْسِي...ارْتَجِي
اللهَ، لأَنِّي بَعْدُ أَحْمَدُهُ«(مزمور42: 5).
المرنم متألم الآن، لكنه يقول: «بعدُ أحمده«.
هذه الكلمة تمنع الحاضر المؤلم من أن يصبح نهاية القصة.
وهنا تظهر قوة الرجاء:
الواقع يقول: أنا
متألم. الرجاء يقول: نعم،
ولكن الله لم ينتهِ من قصتي.
الواقع يقول: لا
أرى الحل.
الرجاء يقول: عدم
رؤيتي للحل لا يعني عدم وجود عمل لله.
الواقع يقول: الأمور
لن تتغير.
الرجاء يقول: أنا
لا أعرف ماذا سيحدث، لكنني أعرف في من أرجو.
رابعًا: الرجاء يحفظ القلب من اليأس
اليأس يقول: «لا يوجد مستقبل«.
أما الرجاء في الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ
فيقول: »لأَنِّي بَعْدُ
أَحْمَدُهُ«.
ولهذا يقول الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ: »فَإِنْ
كُنَّا نَرْجُو مَا لَسْنَا نَنْظُرُهُ فَإِنَّنَا نَتَوَقَّعُهُ بِالصَّبْرِ«(رومية 8: 25).
لاحظ العلاقة: رجاء →
انتظار →
صبر.
فالرجاء لا يلغي فترة الانتظار، ولكنه يجعل الانتظار
قابلًا للاحتمال.
0 التعليقات:
إرسال تعليق