• اخر الاخبار

    تأملات في سِفْرُ نَشِيدُ الأَنْشَادِ ج2 الأسلوب الرمزي الغزلي في سِفْرُ نَشِيدُ الأَنْشَادِ إعداد د. القس سامي منير إسكندر


    تأملات في سِفْرُ نَشِيدُ الأَنْشَادِ ج2


    الأسلوب الرمزي الغزلي في سِفْرُ نَشِيدُ الأَنْشَادِ


    إعداد


    د. القس سامي منير إسكندر

     

    ربما يتسأل البعض عن سفر نشيد الأنشاد: لماذا استخدم الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ هذا الأسلوب الرمزي الغزلي في التعبير عن الحب المتبادل بين الله وكنيسته؟

    سؤالك يلمس واحدًا من أعمق المفاهيم اللاهوتية والتربوية في دراسة الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ. فالاستخدام الإلهي للغة الغزل العاطفي والزوجي للتعبير عن العلاقة بين الله وكنيسته (أو الله وشعبه) لم يكن مجرد اختيار أسلوبي عشوائي، بل هو منهج إلهي مقصود ومحكم يُعرف لاهوتيًا بـ

    "التنازل الإلهي" (Divine Condescension)؛

    حيث يتنازل الخالق اللامتناهي ليخاطب الإنسان المحدود بأكثر اللغات والمشاعر البشرية قاطبةً قُربًا لفهامه ووجدانه. فيما يلي تفصيل لأسباب استخدام الوحي لهذا الأسلوب الرمزي، مدعومًا بالمراجع اللاهوتية والتفسيرية:

    1)   البحث عن أعلى قمة للمشاعر الإنسانية كـ "ظِل" للحق الروحي

    لا توجد غريزة أو عاطفة بشرية تفوق في شدتها، وحميميتها، وبذلها، وفرحها عاطفة الحب الزوجي والنقاوة العاطفية بين العريس والعروس. عندما أراد الله أن يصف عمق غيرته ومحبته للكنيسة، لم يجد في اللغات البشرية (التي تتحدث عن علاقة المالك بعبده، أو الحاكم برعيته) ما يروي عطش التعبير عن الشوق الإلهي؛ فاستعار أسمى ما في الوجود البشري ليكون "مرآة" تعكس المحبة الإلهية الفائقة المعرفة.

    المرجع: يشرح القديس جونكريسوستوم (يوحنا ذهبي الفم) في عظاته عن الزواج قائلًا: "الله يستخدم لغة العشاق لا ليعلمنا الجسدانيات، بل ليجتذب نفوسنا المادية بلغة تألفها، نحو حب روحي لا ينطق به".

    2)   مفهوم العهد والاتحاد السري (Mystical Union)

    المسيحية لا تنظر إلى العلاقة مع الله كعلاقة فروض أو طقوس جافة، بل كـاتحاد كينوني سري؛ و الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ نفسه عبّر عن الكنيسة بأنها "جسده" (أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه). العلاقة الزوجية هي العلاقة الإنسانية الوحيدة التي يصير فيها "الاثنان جسدًا واحدًا"؛ لذلك كان الرمز الغزلي الزوجي هو القالب الأوحد القادر على استيعاب سر هذا الاتحاد الروحي بين الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ (العريس) والكنيسة (العروس).

    المرجع: «31مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَداً وَاحِداً. 32هَذَا السِّرُّ عَظِيمٌ، وَلَكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ نَحْوِ الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ»(رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس5: 31و32).

    3) الجاذبية الروحية والشفاء من "المادية"

    يرى آباء الكنيسة أن النفس البشرية بعد السقوط أصبحت ثقيلة وتميل نحو الماديات والشهوات الأرضية. استخدم الوحي هذا الأسلوب لعمل عملية "إحلال وتسامٍ" (Sublimation) للمشاعر؛ فعندما يقرأ المؤمن كلمات الغزل والحب، ويمتزج بها روحيًا بفضل عمل الروح القدس، يتحول الشغف الجسدي لديه إلى شغف روحي بالخالق، فيتذوق طعم "القبلة الروحية" والشوق نحو الله عوضًا عن اللذات الفانية.

    المرجع: في كتاب "شرح نشيد الأنشاد" للقديس غريغوريوس النيصي (تلميذ أوريجانوس)، يقول في مقدمته التفسيرية: "إن الكتاب المقدس يلبس مشاعر الحب البشري كقناع، ليقود النفس الفتية خارج حواسها الجسدية، حتى إذا ما التهبت بنار الحب الروحي، تعاين العريس السمائي بغير حجاب".

    4) التوافق والانسجام التام مع خط الوحي في الكتاب المقدس

    لم يكن سفر نشيد الأنشاد نشازًا أو معزولًا، بل هو الذروة الشعرية لخط لاهوتي ممتد في كل أسفار الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ([1])، حيث يُصوَّر الله دومًا في ثوب "الزوج المحب الحزين لخيانات زوجته"، وتُصوَّر الكنيسة أو الأمة بالعروس:

    في أَسْفَارٌ نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ([2]): «5لأَنَّ بَعْلَكِ هُوَ صَانِعُكِ رَبُّ الْجُنُودِ اسْمُهُ وَوَلِيُّكِ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ. إِلَهَ كُلِّ الأَرْضِ يُدْعَى»(سِفْرُ إِشَعْيَاءَ54: 5)، وفي أرميا، وحزقيال، وسفر هوشع بأكمله الذي يمثل تجسيدًا دراميًا لمحبّة الله الزوجية لعروس غادرة.

    في إعلان الله في الإِنْجِيل([3]): يوحنا المعمدان يدعو الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ "العريس" في «29مَنْ لَهُ الْعَرُوسُ فَهُوَ الْعَرِيسُ، وَأَمَّا صَدِيقُ الْعَرِيسِ الَّذِي يَقِفُ وَيَسْمَعُهُ فَيَفْرَحُ فَرَحاً مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الْعَرِيسِ»(إِنْجِيلُ يُوحَنَّا3: 29)،

    والرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ يصف نفسه بالعريس في «15فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «هَلْ يَسْتَطِيعُ بَنُو الْعُرْسِ أَنْ يَنُوحُوا مَا دَامَ الْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟ وَلَكِنْ سَتَأْتِي أَيَّامٌ حِينَ يُرْفَعُ الْعَرِيسُ عَنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ»(إِنْجِيلُ مَتَّى9: 15)،

    وينتهي التاريخ البشري في سفر الرؤيا بـ "عُرْسَ الْحَمَلِ" «7لِنَفْرَحْ وَنَتَهَلَّلْ وَنُعْطِهِ الْمَجْدَ، لأَنَّ عُرْسَ الْحَمَلِ قَدْ جَاءَ، وَامْرَأَتُهُ هَيَّأَتْ نَفْسَهَا»(سِفْرُ رُؤْيَا يُوحَنَّا اللاَّهُوتِيِّ19: 7).

    v   المراجع اللاهوتية والتفسيرية المعتمدة:

    1.  كتاب "تفسير نشيد الأنشاد" - العلامة أوريجانوس (Origen):
    يُعتبر أوريجانوس (القرن الثالث) الأب الروحي للتفسير الرمزي للمسيحية. في مقدمته الطويلة والمشهورة لهذا السفر، يفصل فلسفة اختيار هذا الأسلوب الرمزي، ويحذر من قراءته جسدانيًا، مؤكدًا أن الوحي صاغه ليكون أغنية الأعماق للنفس الكاملة في حبها للمسيح.

    2.  عظات القديس برنارد من كليرفو (Bernard of Clairvaux):
    كتب في العصور الوسطى 86 عظة كاملة مخصصة فقط للفصول الأولى من سفر نشيد الأنشاد. يُعد تفسيره مرجعًا صوفيًا لاهوتيًا غربيًا لا غنى عنه يشرح فيه بفيض لماذا اختار الروح القدس "لغة غزل الخدر والسرير الزوجي" ليعبر عن قمة درجات العبادة والاتحاد بالكلمة الإلهية.

    3.   كتاب "حب فوق الوصف: دراسة في لاهوت نشيد الأنشاد" - للمطران كيرلس سليم بسترس:
    مرجع مسيحي حديث يفكك بالتحليل اللاهوتي المعاصر والمقارن سبب استخدام الاستعارات العاطفية في الفكر الكتابي والشرقي القديم لشرح علاقة الإله بشعبه.

    للتواصل:

    Shamsmasr.jesus@gmail.com

     



    [1] الكتاب المقدس: العهد القديم والجديد

    [2] العهد القديم

    [3] العهد الجديد


    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    Item Reviewed: تأملات في سِفْرُ نَشِيدُ الأَنْشَادِ ج2 الأسلوب الرمزي الغزلي في سِفْرُ نَشِيدُ الأَنْشَادِ إعداد د. القس سامي منير إسكندر Rating: 5 Reviewed By: د. القس سامي منير اسكندر
    Scroll to Top