تحليل النزاع الآريوسي حول تفسير أمثال 8: 22 في مجمع نيقية
إعداد وتعريب وتمصير
د. القس / سامي منير إسكندر
تحليل النزاع
الآريوسي حول تفسير أمثال 8: 22 في مجمع نيقية
شهد مجمع نيقية المسكوني الأول (325 م) نقاشاً لاهوتياً حاداً
غيّر تاريخ المسيحية، وكان المحور النصي الأساسي للنزاع بين آريوس والأسقف أثناسيوس
الرسولي هو تفسير الآية 22 من
الإصحاح الثامن في سفر الأمثال (أمثال 8: 22)، والتي تتحدث عن "الحكمة" (Chokmah في العبرية / Sophia في السبعينية اليونانية).
إليك تحليلاً دقيقاً ومفصلاً لهذا النزاع اللاهوتي حول
هذا النص:
1)
سياق الآية في الترجمة السبعينية (LXX)
كان النقاش في مجمع نيقية يُدار باللغة اليونانية
اعتماداً على الترجمة السبعينية للعهد القديم. ونص الآية في السبعينية هو:
«Kýrios éktisén me archēn
hodōn
autoú eis érga autoú»
والترجمة الحرفية لهذا النص اليوناني هي: "الرب خلقني (éktisen) أول طرقه لأجل أعماله".
في المقابل، النص العبري الأصلي يستخدم الفعل "قناني" (Qanani) والذي يحتمل معنى
"امتلكني" أو "اقتناني" أو "أقامتني". لكن نظراً
لأن المجمع اعتمد اليونانية، فقد تركز الصراع بالكامل على دلالة الفعل اليوناني "خلقني" (éktisen) وعلاقته
بأقنوم الابن (اللوغوس / الحكمة).
2)
التفسير الآريوسي (مبدأ المخلوقية)
استخدم آريوس وتلاميذه هذا النص كدليل كتابي حاسم
ومباشر لإثبات عقيدتهم. تلخصت حجتهم في الآتي:
المطابقة بين الحكمة والابن: اتفق
آريوس مع الكنيسة على أن "الحكمة" في سفر الأمثال هي إشارة نبوية إلى
أقنوم الابن (يسوع المسيح).
دلالة الفعل "خلقني":
جادل آريوس بأن النص يقول صراحة وبأوضح
عبارة ممكنة: "الرب خلقني".
وإذا كان الابن مخلوقاً، فهذا يعني
تلقائياً أنه:
1. ليس أزلياً، بل له بداية (عبارته الشهيرة: "كان هناك وقت لم يكن فيه
موجوداً).
2. ليس من نفس جوهر الآب (Heteroousios)، بل هو كائن وسيط خُلق كأداة لخلق بقية
العالم.
3. حاز على رتبة "ابن الله"
بالتبني أو الترفيع نظراً لطاعته الكاملة، وليس بطبيعته.
3)
الرد الأرثوذكسي (التحليل النيقاوي بقيادة أثناسيوس)
واجه المجمع بقيادة القديس أثناسيوس
معضلة لاهوتية: كيف يتم تفسير كلمة
"خلقني" دون إنكار أزلية الابن ومساواته للآب في الجوهر؟ جاء الرد في
كتابات أثناسيوس (خاصة في "المقالات ضد الآريوسيين") عبر ثلاثة محاور
رئيسية:
أ. التمييز بين لاهوت المسيح وناسوته
(التجسد)
قدم أثناسيوس قاعدة تفسيرية لاهوتية تعتمد على "التدبير الإلهي" (Oikonomia).
جادل بأن العبارات التي تشير إلى الجوع، التعب، الموت،
أو "الخلق" في
الكتاب المقدس لا تخص طبيعة اللوغوس الإلهية الأزلية، بل تخص طبيعته البشرية
(الناسوت) التي اتخذها في ملء الزمان.
بالتالي، عبارة "خلقني أول طرقه" تشير إلى الجسد
البشري الذي خُلق من العذراء مريم ليكون بداية طريق الخلاص للبشرية، وليس إلى
لاهوته الأزلي المخلوق قبل الدهور.
ب. التحليل اللغوي والسياقي (الخلق
مقابل التوليد)
أوضح المعسكر النيقاوي أن الآية نفسها تكمل في الأعداد
التالية (أمثال 8: 24-25) قائلة: "قبل
أن تُقَرَّ الجبال، قبل التلال أُبْدِئْتُ"
(وفي اليونانية:
Genná me أي وُلِدتُ).
جادل أثناسيوس بأن هناك فرقاً جوهرياً بين "الخلق" (Ktisis) الذي يكون من
العدم وبإرادة خارجية، وبين "التوليد" (Genesis) الذي
يكون من نفس جوهر الآب أزلياً.
بما أن النص يجمع بين "خلقني"
و"ولدتني"، يجب تفسير "خلقني" على الجسد البشري، و"ولدتني" على البنوة الأزلية والجوهر الإلهي.
ج. تهافت المفهوم الآريوسي حول
"الحكمة"
أثار أثناسيوس حجة عقلية قوية:
إذا كان الابن هو "حكمة الله" و"قوة الله" (كما جاء في «24وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُوداً
وَيُونَانِيِّينَ فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ»(رِّسَالَةُ بُولُسَ
الرَّسُولِ الأُولَى إِلَى أَهْلِ كُورِنْثُوسَ1: 24)، وآريوس يقول إن هذه الحكمة
مخلوقة ولها بداية، فهذا يعني أن الله الآب كان يمر بمرحلة (أو وقت) بدون حكمة أو
قوة قبل أن يخلقها! وهذا ينسب النقص والجهل للذات الإلهية، وهو أمر محال لاهوتياً.
4)
النتيجة اللاهوتية وصياغة قانون إيمان نيقية
لم يتراجع آريوس، مما دفع آباء مجمع نيقية إلى إدراك
أن استخدام النصوص الكتابية وحدها قد يحتمل التأويل اللغوي. لذلك، قرر المجمع
صياغة مصطلحات لاهوتية فلسفية حاسمة لا تدع مجالاً للبس لإغلاق الباب أمام التفسير
الآريوسي لأمثال 8: 22.
أنتج المجمع قانون الإيمان النيقاوي وفيه
رد مباشر وموجه ضد الأزمة اللغوية لهذه الآية:
1.
"مولود غير
مخلوق" (Gennethenta, ou poiethenta): تم
وضع هذه العبارة صراحة لنفي أي تفسير يجعل من "اللوغوس" كائناً مخلوقاً
بناءً على آية سفر الأمثال.
2.
"مساوٍ للآب في الجوهر"
(Homoousios): لإثبات أن الابن والآب
يشتركان في نفس الطبيعة الإلهية الأزلية اللامتناهية، وبالتالي فإن كلمة "خلقني"
لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تمس اللاهوت.
للتواصل:
0 التعليقات:
إرسال تعليق