• اخر الاخبار

    دراسة تحليلي مختصر ل "سفر أخنوخ" أحد الأسفار المنحولة إعداد د. القس سامي منير اسكندر

     


    دراسة تحليلي مختصر ل "سفر أخنوخ"


    أحد الأسفار المنحولة


    إعداد


    د. القس سامي منير اسكندر


    سفر أخنوخ الأول (1 Enoch) هو بلا شك من أهم وأكثر الأسفار المنحولة تأثيراً، خاصة على الفكر اليهودي في فترة الهيكل الثاني والفكر المسيحي المبكر.

    هذا السفر هو عمل ضخم ومعقد، وليس كتاباً واحداً متجانساً، بل هو مجموعة من خمسة أسفار أصغر تم تجميعها معاً.

    v  نظرة معمقة على سفر أخنوخ الأول

    يُنسب السفر إلى أخنوخ، الجد السابع لآدم، الذي ذكرته التوراة بأنه "سار مع الله ولم يوجد لأن الله أخذه" (تكوين 5: 24). يهدف السفر إلى ملء تفاصيل هذه الجملة الغامضة.

    1)  أقسام السفر الخمسة الرئيسية

    القسم

    الموضوع الرئيسي

    الأهمية

    كتاب المراقبين (The Book of the Watchers)

    يُعد هذا القسم هو الأقدم والأكثر تأثيراً. يروي قصة الملائكة الساقطين (المُراقبون/الرقود) الذين نزلوا إلى الأرض، تزوجوا من بنات الناس، وعلَّموا البشر الشر (السحر، وصناعة الأسلحة، ومستحضرات التجميل).

    يوفر تفسيراً موسعاً لـتكوين 6: 1-4، ويشرح أصل الشرور في العالم.

    كتاب الأمثال (The Book of Parables)

    يتحدث عن ثلاثة أمثال كبرى. يركز بشكل كبير على "ابن الإنسان" و**"المسيح"** كشخصية سماوية ستقوم بالدينونة وتُقيم مُلكاً أبدياً.

    يحتوي على أدق وأقدم التصورات الموثقة عن المسيحانية كشخصية سماوية قبل المسيحية.

    كتاب الأنوار السماوية (The Book of the Heavenly Luminaries)

    وصف لرحلة أخنوخ إلى السماء وإرشاده عن قوانين حركة النجوم والأجرام السماوية والتقويم الشمسي.

    يشدد على التقويم الشمسي بدلاً من التقويم القمري، مما يعكس خلافات طائفية يهودية قديمة (غالباً بين طائفة قمران ويهودية الهيكل).

    كتاب الأحلام (The Book of Dreams)

    رؤيتان على شكل أحلام، ترويان تاريخ العالم وإسرائيل من البداية حتى نهاية الزمان، باستخدام الرموز الحيوانية (مثل الأبقار والضان).

    يعطي نظرة بانورامية على التاريخ من منظور يهودي رؤيوي.

    رسالة أخنوخ (The Epistle of Enoch)

    سلسلة نصائح وعظات لأبناء أخنوخ وأحفاده، تحثهم على التقوى وتُحذّر من مصير الخطاة.

    تشجع على الحياة المستقيمة في ضوء الدينونة القادمة.

    2) أهمية السفر وتأثيره (لماذا هو مهم جداً؟)

    سفر أخنوخ لم يُقبل في الكانون اليهودي (العهد القديم) ولا الكاثوليكي (الأبوكريفا)، لكنه لا يزال جزءاً من كانون الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية.

    تأثيره على العهد الجديد: يُعتقد أن سفر أخنوخ أثر بشكل كبير على الفهم اللاهوتية في العهد الجديد:

    ابن الإنسان: هذا اللقب، الذي يستخدمه يسوع مراراً لوصف نفسه، هو لقب رئيسي للشخصية المسيحانية في "كتاب الأمثال" (أخنوخ 46: 2).

    رسالة يهوذا: يقتبس سفر يهوذا مباشرة من سفر أخنوخ، حيث يقول: "وَتَنَبَّأَ عَنْ هَؤُلاَءِ أَيْضًا أَخْنُوخُ السَّابِعُ مِنْ آدَمَ قَائِلاً: «هُوَذَا قَدْ جَاءَ الرَّبُّ فِي رَبَوَاتِ قِدِّيسِيهِ»" (يهوذا عدد 14).

    وصف الجحيم والملائكة: الكثير من تصوير المسيحية المبكرة للملائكة والشياطين والدينونة مستمد من هذا السفر.

    نشأة الشر: يقدم أخنوخ شرحاً بديلاً ومفصلاً لأصل الشر (بعيداً عن مجرد عصيان آدم)، من خلال قصة المراقبين الساقطين الذين علّموا البشرية الخطيئة.

    v  الخلاصة

    سفر أخنوخ الأول هو عمل أساسي لفهم طريقة تفكير اليهود المتدينين خلال فترة الهيكل الثاني، وكيف تطورت لديهم آمالهم المسيحانية (الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ كشخصية سماوية ودينونة كبرى). إنه دليل حي على أن الأفكار الرؤيوية كانت شائعة جداً في زمن ظهور الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.

    كيف يتم تصوير "ابن الإنسان" في سفر أخنوخ تحديداً؟

    تصوير "ابن الإنسان" (Son of Man) في سفر أخنوخ، وتحديداً في كتاب الأمثال (Parables) (أخنوخ 37-71)، يُعد من أهم النقاط اللاهوتية في الأدب المنحول، لأنه يقدم تصوراً مفصلاً لشخصية مسيانية سماوية قبل ظهور المسيحية بفترة طويلة.

    في هذه الأمثال، لا يُستخدم لقب "ابن الإنسان" كوصف مجرد للبشرية (كما في بعض مزامير العهد القديم)، بل كـلقب لاهوتي رسمي يصف المخلّص والديّان القادم.

    v  كيفية تصوير "ابن الإنسان" في سفر أخنوخ:

    الخصائص الرئيسية لـ "ابن الإنسان" في سفر أخنوخ

    يُعرف هذا الكائن بألقاب متعددة، وكل لقب يكشف عن دور محدد: "ابن الإنسان"، "الْمُخْتَارُ"، "الْمَسِيحُ"، و"الصديق".

    1)  طبيعته الأزلية والسماوية (Pre-existence)

    يُصوَّر ابن الإنسان على أنه كائن أزلي ومُعَيَّن إلهياً قبل خلق العالم.

    مخفي مع الله: ورد في أخنوخ (48: 2-3) أنه "قبل أن يُخلق العالم... كان اسمه مدعواً أمام الرب الأرواح. وقبل أن تُخلق الشمس والنجوم...كان اسمه خفياً عند الرب الأرواح."

    المغزى: هذا يعني أن ابن الإنسان ليس مجرد إنسان صالح يختاره الله، بل هو كائن سماوي موجود ومُعَيَّن للمهمة من الأزل.

    2)   دوره كـ "الديّان" (The Judge)

    وظيفته الأساسية هي إقامة العدل النهائي في نهاية الزمان.

    عرش المجد: سيجلس ابن الإنسان على عرش مجده ليحكم على الخليقة كلها، خاصة على الملوك والأقوياء والأغنياء الذين ظلموا الصديقين على الأرض (أخنوخ 62: 2-3).

    دينونة الملائكة الساقطين: هو أيضاً من سيشارك في عقاب "المراقبين" (الرقود) وكل الأرواح الشريرة (أخنوخ 69: 27).

    كشف الخفايا: دوره هو أن يكشف كل أسرار الخطيئة والظلم التي كانت مخبأة في العالم.

    3)  مهمته كـ "المختار" و "المخلّص" (The Redeemer)

    ابن الإنسان يمثل رجاء الصديقين والمضطهدين.

    منقذ الصديقين: سيُقيم الصديقين ويُعطيهم حياة أبدية، ويجلسهم معه على مائدته، وتُنشر البهجة والفرح في محضرهم (أخنوخ62: 6-16).

    إنارة العالم: يوصف بأنه مصدر النور والحكمة الذي سيُشرق على العالم (أخنوخ48: 4).

    4) مصدر قوته

    قوته وسلطانه مستمدان مباشرة من الإله الأعظم ("رب الأرواح").

    السلطة الممنوحة: يُعطى "ابن الإنسان" المجد والكرسي والسلطة ليحكم (أخنوخ 69: 29). هذا يوضح أنه يعمل بتفويض مطلق من الله.

    v  العلاقة بين تصوير أخنوخ والعهد الجديد

    السبب الرئيسي لأهمية هذا السفر هو التشابه المذهل بين شخصية "ابن الإنسان" فيه وبين تصوير الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ في الأناجيل والعهد الجديد:

    خاصية في ابن الإنسان (سفر أخنوخ)

    المقابل في شخصية الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ (العهد الجديد)

    الكائن الأزلي المُعَيَّن قبل الخلق. (48: 2-3)

    "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ" (يوحنا 1: 1)؛ "كَائِنًا قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ" (كولوسي 1: 17).

    القاضي الأبدي الذي يجلس على عرش مجده. (62: 2)

    المسيح هو الديّان الذي "سَيَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ، وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ" (متى 16: 27).

    لقب "ابن الإنسان" الرئيسي.

    اللقب الذي استخدمه يسوع لوصف نفسه أكثر من 80 مرة في الأناجيل.

    بسبب هذه التشابهات، يرى الكثير من العلماء أن سفر أخنوخ لعب دوراً حيوياً في فهم المصطلحات والتوقعات المسيحانية لدى اليهود في القرن الأول الميلادي.

    المراجع:

    v  المراجع العربية (Arabic References)

    تعتبر المكتبة العربية في هذا المجال متخصصة، وأغلبها يرتكز على الدراسات الكتابية والتاريخية:

    1.الأب بولس الفغاليسلسلة "ماذا يقول الكتاب" و"المدخل إلى الكتاب المقدس". (تعتبر كتبه مرجعاً أساسياً لشرح الأدب اليهودي المحيط بالكتاب المقدس والأدب المنحول).

    2.أحمد إيبشالكتاب المقدس وتاريخ الشرق القديم. (يقدم سياقاً تاريخياً مهماً للأدب الديني اليهودي).

    3.د. أسد رستمآباء الكنيسة (المجلدات الأولى). (رغم أنه مسيحي التوجه، إلا أنه يشرح الجذور اليهودية والمنحولة للفكر اللاهوتي في القرون الأولى).

    4.الأب أنطوان نجيبمقدمات في العهد القديم. (يشرح تقسيمات الأدب اليهودي وفترة ما بين العهدين).

    5.القس د. إكرام لمعيالاختلاف بين الأديان: دراسة في اليهودية والمسيحية. (يتطرق للفكر الرباني وتطوره).

    v    الأدب المسيحي واليهودي المبكر:

    حداد، جورج وسارافيان، أرداشيس. المدخل إلى العهد القديم. (عادة ما يتضمن فصولاً عن الأدب غير القانوني والأبوكريفا).

    جودت، نجيب محفوظ. تاريخ الأديان: اليهودية. (قد تتضمن فصولاً عن تطور الفكر اليهودي بعد الأنبياء).

    v    تفسير الكتاب المقدس:

    الخوري، بولس الفغالي. مدخل إلى قراءة الكتاب المقدس. (غالباً ما يقدم خلفية تاريخية وثقافية للفترة التي ظهر فيها الأدب المنحول).

    بعض ترجمات الكتاب المقدس العربية المعتمدة (مثل الترجمة اليسوعية) تضع الأسفار القانونية الثانية (الأبوكريفا/الأدب المنحول الجزئي) في ملحق.

    v  المراجع الإنجليزية (English References)

    هذه المراجع هي "المعيار الذهبي" (Gold Standard) في الجامعات العالمية لدراسة لاهوت الأدب المنحول والتفسير الحاخامي:

    1. بخصوص الأدب المنحول (The Pseudepigrapha)

    ·       James H. CharlesworthThe Old Testament Pseudepigrapha (2 Volumes).

    هذا هو المرجع الأضخم والأهم، يحتوي على ترجمات وشروح لكل النصوص المنحولة (بما فيها أخنوخ).

    ·       George W. E. NickelsburgJewish Literature Between the Bible and the Mishnah.

    كتاب ممتاز لشرح تطور الأفكار اللاهوتية (مثل القيامة والمسيح) في هذه النصوص.

    ·       John J. CollinsThe Apocalyptic Imagination: An Introduction to Jewish Apocalyptic Literature.

    يركز بعمق على "الأدب الرؤيوي" (مثل سفر أخنوخ ودانيال).

    2. بخصوص التفسير الحاخامي (Rabbinic Interpretation)

    ·       Jacob NeusnerThe Midrash: An Introduction.

    مقدمة واضحة ومبسطة لفهم كيف كان الحاخامات يفسرون النصوص.

    ·       Adin SteinsaltzThe Essential Talmud.

    من أشهر الكتب التي تشرح منطق وفلسفة التلمود والتفسير الحاخامي للعالم الحديث.

    ·       Abraham Joshua HeschelHeavenly Torah: As Refracted through the Generations.

    مرجع لاهوتي عميق يتناول الفكر الحاخامي كفلسفة إيمانية وليس مجرد نصوص تشريعية.

    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    Item Reviewed: دراسة تحليلي مختصر ل "سفر أخنوخ" أحد الأسفار المنحولة إعداد د. القس سامي منير اسكندر Rating: 5 Reviewed By: د. القس سامي منير اسكندر
    Scroll to Top