• اخر الاخبار

    يُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى ضِيقٌ عَظِيمٌ إعداد د. القس سامي منير إسكندر الجزء الأول


    يُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى ضِيقٌ عَظِيمٌ

    إعداد

    د. القس سامي منير إسكندر

    الجزء الأول

    «9حِينَئِذٍ يُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى ضِيقٍ وَيَقْتُلُونَكُمْ، وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنْ جَمِيعِ الأُمَمِ لأَجْلِ اسْمِي»(إِنْجِيلُ مَتَّى24: 9).

    «21لأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ ضِيقٌ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ مُنْذُ ابْتِدَاءِ الْعَالَمِ إِلَى الآنَ وَلَنْ يَكُونَ»(إِنْجِيلُ مَتَّى24: 21).

    «23وَوَيْلٌ لِلْحَبَالَى وَالْمُرْضِعَاتِ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ! لأَنَّهُ يَكُونُ ضِيقٌ عَظِيمٌ عَلَى الأَرْضِ وَسُخْطٌ عَلَى هَذَا الشَّعْبِ»(إِنْجِيلُ لُوقَا21: 23). كلمني عن الضيق في الايات بتوسع مع المراجع

    «فحل باسرائيل ضيق عظيم لم يحدث مثله منذ لم يظهر فيهم نبي»(1مكابين9: 27).

    تُشكل الآيات الواردة في إنجيل متى (24: 9، 21) وإنجيل لوقا (21: 23) جزءاً مما يُعرف في اللاهوت المسيحي بـ "خطاب نهاية الأيام" (Eschatological Discourse) أو "الخطاب على جبل الزيتون". ويمثل مفهوم "الضيق العظيم" (Great Tribulation / باليونانية: θλίψις μεγάλη - ثليبسيس ميغالي) محوراً تفسيرياً معقداً يجمع بين التاريخ الواقعي والنبوة المستقبلية.

    في المفهوم الكتابي والآبائي، لا يُنظر إلى هذا الضيق كحدث مأساوي عشوائي، بل كمخاض روحي وتاريخي يحمل أبعاداً خلاصية، ودينونة، واختباراً لتمسك المؤمنين بـ "اسم المسيح".

    فيما يلي تفصيل لاهوتي وتاريخي ممتد لمفهوم "الضيق" في هذه الآيات عبر مدرستين تفسيريتين رئيسيتين في المسيحية، مدعوماً بالمراجع:

    1. البُعد التاريخي القريب: خراب أورشليم سنة 70 ميلادية (تفسير لوقا)

    يتفق معظم الآباء والمؤرخين اللاهوتيين على أن الجزء الأول من هذه النبوات قد تحقق حرفياً وجغرافياً في حصار وخراب أورشليم وتدمير الهيكل الثاني على يد القائد الروماني تيطس عام 70م.

    تفسير آية لوقا: عندما قال الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ: «وَيْلٌ لِلْحَبَالَى وَالْمُرْضِعَاتِ... سُخْطٌ عَلَى هَذَا الشَّعْبِ»، كان يصف الويل المادي الملموس الذي وثقه التاريخ؛ حيث واجهت الأمهات والرضع أهوال المجاعة والحصار الروماني الصارم، واضطرار السكان للهروب السريع إلى الجبال دون التفات للوراء.

    المرجع التاريخي والكتابي: يُعتبر كتاب "حروب اليهود" للمؤرخ اليهودي المعاصر للأحداث يوسيفوس فلافيوس (Flavius Josephus) المرجع التاريخي الأبرز؛ حيث وصف كيف تحول الحصار إلى "ضيق لم يكن مثله"، ومات مئات الآلاف جوعاً وبحد السيف، وجرى تشتيت البقية بين الأمم، مما حقق عبارة "سُخْطٌ عَلَى هَذَا الشَّعْبِ".

    2. البُعد الإسخاتولوجي البعيد: ضيق نهاية العالم والأيام الأخيرة (تفسير متى)

    وفقاً لمنهج "المنظور النبوي المزدوج" (Prophetic Dualism)، استخدم الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ حادثة خراب أورشليم القريبة كـ "رمز أو ظِل" لحدث أكبر وأشمل سيعم المسكونة كلها قبيل المجيء الثاني، وهو الضيق العظيم الأخير.

    الاضطهاد لأجل الاسم (متى 24: 9): «تَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنْ جَمِيعِ الأُمَمِ لأَجْلِ اسْمِي»؛ يشير هذا إلى اضطهاد عقائدي وكوني لا يقتصر على منطقة جغرافية بل يشمل كل المؤمنين بالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ في العالم، حيث يُفرز الكنيسة ويُمحص إيمانها.

    ذروة الضيق (متى 24: 21): «ضِيقٌ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ... وَلَنْ يَكُونَ»؛ يُفسر لاهوتياً بأنه الفترة التي ينطلق فيها شر وبغضة غير مسبوقين، ويسود فيها التضليل الممنهج (المسحاء الكذبة والأنبياء الكذبة) واضطهاد "ضد المسيح" (Antichrist) للكنيسة، وهي فترة مخاض تسبق ولادة المجد العتيد وتجديد الخليقة.

    3. المفهوم الروحي والنسكي للضيق

    في الفكر الآبائي، الضيق ليس مجرد عقاب، بل هو "الباب الضيق" الكفيل بتنقية النفس وكشف زيف الإيمان الشكلي.

    النظرة الآبائية: يرى الآباء أن الكنيسة تُولد في الضيق وتنمو فيه. فبينما يرتد الكثيرون بسبب شدة الهول (متى 24: 10)، فإن المختارين يتنقلون إلى مرتبة الاستشهاد والشهادة، مدفوعين بالوعد الإلهي: «الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهَذَا يَخْلَصُ».

    المرجع الآبائي: يشرح القديس يوحنا ذهبي الفم في عظاته على إنجيل متى (العظة 75) قائلًا:

    "لماذا سمح الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بهذا الضيق العظيم؟ لكي لا يظن الرسل والمؤمنون أن كرازتهم ستكون محفوفة بالورود، ولكي يُظهر قوة الإيمان التي لا تُقهر؛ فالذهب لا يلمع ويزداد نقاءً إلا إذا وُضع في أتون النار العظيمة".

    v   المراجع اللاهوتية والتفسيرية المعتمدة للتوسع:

    1.   كتاب "تفسير إنجيل متى" - القديس يوحنا ذهبي الفم (Homilies on Matthew):

    تحديداً العظات من 75 إلى 77، حيث يفرد تحليلاً دقيقاً للخلط النبوي الذي أحدثه الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ متعمداً بين خراب أورشليم ونهاية العالم، وكيف يدرب المؤمنين على السهر الروحي والصمود أمام الضيقات الشديدة.

    2.   كتاب "تفسير الإنجيل بحسب لوقا" - القديس كيرلس الإسكندري (Commentary on Luke):

    يستعرض لاهوت الدينونة الإلهية الموجهة لأورشليم تاريخياً، ويربط عبارة "سُخْطٌ عَلَى هَذَا الشَّعْبِ" برفض العهد الجديد، محذراً من أن الضيق الأخير سيعاقب كل من يرفض الإيمان بالابن.

    3.   كتاب "الخطاب اللاهوتي على جبل الزيتون" (The Olivet Discourse) - للباحث اللاهوتي المعاصر د. ديفيد ميتشل (David C. Mitchell):

    دراسة أكاديمية معاصرة تقارن النبوات بين الأناجيل الثلاثة (متى، مرقس، لوقا) وتفكك المصطلحات اليونانية للضيق والسخط والخلفيات اليهودية القديمة لها في أسفار الأنبياء (مثل دانيال وزكريا).

    للتواصل

    Shamsmasr.jesus@gmail.com

    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    Item Reviewed: يُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى ضِيقٌ عَظِيمٌ إعداد د. القس سامي منير إسكندر الجزء الأول Rating: 5 Reviewed By: د. القس سامي منير اسكندر
    Scroll to Top