دور
أقانيم الثالوث الأقدس في الاختيار
إعداد
د.
القس سامي منير إسكندر
أولاً:
الله الآب
ينسق الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ
في أفسس 1 دور أقانيم
الثالوث الأقدس في خطة الخلاص:
أولاً: دور
الله الآب:
يخطط ويختار ويعيّن للتبني «3مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا
يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ
فِي الْمَسِيحِ، 4كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ
تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي
الْمَحَبَّةِ، 5إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي
بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ، 6لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي
أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوبِ»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ أَفَسُسَ1: 3-6).
هذه الفقرة أف 1:3-6 هي أقدس وصف لدور الآب في الخلاص
كله. بولس يكتبها جملة واحدة طويلة في اليونانية - 202 كلمة بدون نقطة - كأنه لا
يستطيع أن يتوقف من التسبيح.
الآب هو المُبادر، المُخطط، المُختار، المُعيِّن.
الابن والروح ينفذون خطة الآب، لا العكس.
«3مُبَارَكٌ
اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا
بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ، 4كَمَا
اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ
لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ، 5إِذْ سَبَقَ
فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ
مَشِيئَتِهِ، 6لِمَدْحِ
مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوبِ»
سأشرحها كلمة كلمة، مع 6 أدوار للآب.
1)
الآب هو المُبارَك والمُبارِك – المصدر: ع 3: «مُبَارَكٌ
اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ»
مُبَارَكٌ
- εὐλογητός
eulogetos: ليس نحن نباركه ليعطينا، بل هو مبارك
في ذاته، مستحق التسبيح لأنه مصدر كل بركة.
«الله أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ»:
الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ
لا يقول: "الله إلهنا" فقط، بل "أبو ربنا" - علاقتنا بالله ليست مباشرة، بل من
خلال أبوته للرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. لأنه أبو الرَّبِّ
يَسُوعَ الْمَسِيحِ بالطبيعة،
صار أبانا بالتبني. «الَّذِي
بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ»
Ø
ثلاث كلمات تحدد عمل الآب:
بكل بركة:
بلا استثناء: لا توجد بركة روحية ناقصة. الآب لم يعط 10%، بل كل. «32الَّذِي
لَمْ يُشْفِقْ عَلَى ابْنِهِ، بَلْ بَذَلَهُ لأَجْلِنَا أَجْمَعِينَ، كَيْفَ لاَ
يَهَبُنَا أَيْضًا مَعَهُ كُلَّ شَيْءٍ؟»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ رُومِيَةَ8:
32).
v
مفهوم البركة في اللغات (العبري واليوناني والأرامي)
مفهوم البركة في اللغات القديمة يحمل أبعاداً لغوية
وروحية عميقة تتجاوز مجرد المعنى السطحي. إليك تفصيل للمصطلحات الأساسية في
العبرية، اليونانية، والآرامية:
1)
العبرية: (בָּרַךְ = Barak)
كلمة "باراك"
(Barak) هي الأصل العبري للبركة، ولها دلالات
جوهرية:
الركوع:
المعنى الجذري للفعل يرتبط بالركوع (الانحناء على الركبتين)، وهو فعل يعبر عن
الخضوع والاحترام والتبجيل.
إعلان الفضل:
عندما يبارك الله الإنسان، فهذا يعني أنه يفيض عليه بالخير والنمو والقوة والحياة
("أثمروا واكثروا"). وعندما يبارك الإنسان الله، فهو يعني
"تمجيده" و"الاعتراف بفضله" والركوع له تعظيماً.
الاسم (בְּרָכָה = Berakah): هو "البركة"
كعطية الاقتراب، وهي إعلان عن حضور الله وعمله في حياة الشخص، وتتضمن غالباً
وعوداً بالخير، الخصوبة، والحماية.
2)
اليونانية: (εὐλογία - Eulogia)
استخدمت الترجمة السبعينية للعهد القديم والعهد الجديد
كلمة "يولوجيا" لترجمة "باراك"، وهي مشتقة من كلمتين:
Eu: تعني
"جيد" أو "حَسَن".
Logia: مشتقة
من "Logos"
(الكلمة أو الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ).
المعنى:
تعني حرفياً "القول الحسن" أو
"الكلام الطيب". في السياق الكتابي،
لا تشير فقط إلى الثناء، بل إلى إعلان حضور فعال للرب بالخير. وعندما يبارك الله الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ،
فإن كلمته ليست مجرد تمنيات، بل هي كلمة "خالقة"
و"فعالة" مقتربة بالخير والنعمة
فعلياً لما توصف به.
3)
الآرامية: (בְּרִכוּתָא = Berikuta)
اللغة الآرامية،
التي كانت اللغة اليومية في زمن الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، تشترك مع
العبرية في نفس الجذر اللغوي (ب-ر-ك).
المصطلح الآرامي
يحمل نفس مفهوم الجذور العبرية المتعلق بالانحناء للتبارك، ولكنه في السياق
الآرامي المسيحي (السرياني) غالباً ما يرتبط بـ "التكريس" و "التقديس" و
"الاقتراب".
البركة في الآرامية
هي قوة إلهية تنتقل عبر الكلمة أو اللمسة، وتعمل على تطهير وتغيير حالة الشيء أو
الشخص ليكون "مباركاً" (مكرساً
ومملوءاً بالنعمة الإلهية).
v
خلاصة المقارنة:
|
اللغة |
المصطلح |
الدلالة
الجوهرية |
|
العبرية |
Barak |
الاقتراب، الانحناء،
التبجيل، وإعلان الخير |
|
اليونانية |
Eulogia |
القول الحسن،
الإعلان الفعال للنعمة |
|
الآرامية |
Berikuta |
التكريس،
النعمة الفاعلة، الحضور الإلهي |
بشكل عام، البركة في هذه اللغات ليست مجرد كلمات طيبة،
بل هي فعل إلهي يغيّر الواقع، يربط المخلوق بالخالق، ويحمل قوة روحية لتحقيق الخير
والنمو والتقديس.
روحية:
ليست بركات أرضية وقتية (مال، صحة)، بل روحية أبدية:
اختيار، تبني، غفران، ختم الروح
نبذة عن كل بركة مذكور في رِّسَالَةُ
بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ أَفَسُسَ1 التي هي غنية جداً بالتعاليم
العميقة حول البركات الروحية التي نالها المؤمنون في الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.
هذه البركات ليست مجرد نعم مؤقتة تزول بزوال الجسد، بل هي عطايا أبدية تمس جوهر
العلاقة مع الله.
v
نبذة مختصرة عن كل بركة من البركات الأربع المذكورة:
أولاً: بركة الاختيار:
«4كَمَا
اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ
لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ،»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ أَفَسُسَ1:
4).
المعنى:
يعني أن الله، في محبته السابقة وعلمه المطلق، اختار المؤمنين ليكونوا خاصته قبل
خلق العالم.
الهدف:
لم يكن هذا الاختيار تعسفياً، بل كان بغاية مقدسة:
أن يعيش المؤمنون حياة مقدسة، طاهرة، ومميزة للّه ("قديسين
وبلا لوم")، مدفوعين بمحبة حقيقية له وللآخرين.
ثانيا: التبني (البنوة لله)
«5إِذْ سَبَقَ
فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ
مَشِيئَتِهِ،»(رِّسَالَةُ بُولُسَ
الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ أَفَسُسَ1:
5).
المعنى:
النقل القانوني والروحي من حالة الغربة والعداوة إلى عائلة الله. من خلال يسوع
المسيح، لم يعد الإنسان مجرد مخلوق، بل أصبح ابناً لله.
الهدف:
يمنحنا التبني حق الدخول إلى حضرة الله بحرية كاملة، ودعوه "أبا الآب"،
ويجعلنا ورثة لكل المواعيد الإلهية وشركاء في مجد المسيح.
ثالثاً: الغفران (فداء الخطايا)
«7الَّذِي
فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ،»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ أَفَسُسَ1:
7).
المعنى:
هو محو الذنوب وإلغاء الدين الروحي الذي كان على الإنسان بسبب الخطية، وتم ذلك
بطريقة عملية من خلال فداء دم المسيح على الصليب.
الهدف:
ليس مجرد تبرئة قانونية، بل هو فيض من "غنى نعمته" الإلهية التي تعيد
الإنسان إلى صفء الشركة مع الله بلا عيب ولا لوم ضمير، فاتحةً باب السلام الحقيقي.
رابعاً: ختم الروح (سُكنى الروح القدس
وضمانه)
«13الَّذِي فِيهِ
أَيْضاً أَنْتُمْ، إِذْ سَمِعْتُمْ كَلِمَةَ الْحَقِّ، إِنْجِيلَ خَلاَصِكُمُ،
الَّذِي فِيهِ أَيْضاً إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ
الْقُدُّوسِ، 14الَّذِي
هُوَ عَرْبُونُ مِيرَاثِنَا، لِفِدَاءِ الْمُقْتَنَى، لِمَدْحِ مَجْدِهِ»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ أَفَسُسَ1:
13-14).
المعنى:
عندما يؤمن الإنسان، يضع الله عليه "ختماً" إلهياً يتمثل في سُكنى الروح
القدس داخله كعلامة ملكية وإثبات أنه أصبح من حصة الله وخاصته.
الهدف:
لا يعمل الروح القدس كختم للملكية فحسب، بل هو أيضاً "عربون" (مقدم أو
ضمان مادي روحي) يضمن للمؤمن أنه سينال ميراثه الأبدي كاملاً في اليوم الأخير.
ملاحظة تأملية:
هذه البركات الأربع تشكل معاً عقداً أبدياً متكاملاً: الله اختارنا (الأب)، لكي
نكون أبناءه (التبني)، فدانا وغفر خطايانا بالابن، ووضع فينا روحه القدوس كضمان
وختم أبدي.
في السماويات:
مكان البركة ليس الأرض، بل في السماويات. نحن مباركون الآن ونحن على الأرض، لكن
البركة محفوظة في السماء: «4لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ
يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ،»(رِّسَالَةُ بُطْرُسَ الرَّسُولِ الأُولَى1:
4).
في المسيح:
الآب لا يبارك أحد خارج المسيح. كل بركة تمر عبر الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.
خارج الرَّبِّ
يَسُوعَ الْمَسِيحِ يوجد لعنة، في الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
توجد كل بركة.
دور الآب هنا: هو المنبع. كل شيء يبدأ
منه.

0 التعليقات:
إرسال تعليق