وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ
إعداد
د. القس سامي منير إسكندر
«7أَيُّهَا
الأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضاً، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللهِ،
وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ»(رِّسَالَةُ يُوحَنَّا الرَّسُولِ الأُولَى4: 7). المحبة كنتيجة
للولادة من الله :
تُعتبر
المحبة في تعليم الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ،
ولا سيما في كتابات يوحنا الرسول، البرهان العملي والأول للولادة الثانية (الميلاد
الثاني من الله). فالولادة من الله ليست مجرد تغيير فكري أو انضمام شكلي لجماليات
ديانة، بل هي تغيير في الطبيعة الجوهرية للإنسان،
المشاركة
في الطبيعة الإلهية: ينتقل المؤمن فيها من
قوقعة السقوط، والأنانية، والتمحور حول الذات، إلى الدخول في شركة حية والمشاركة
في الطبيعة الإلهية التي جوهرها الأساسي معلن في قوله:
«8وَمَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ
مَحَبَّةٌ»(رِّسَالَةُ
يُوحَنَّا الرَّسُولِ الأُولَى4:
8).
فالمحبة
هنا ليست مجرد فضيلة أخلاقية يمارسها الإنسان بقوته الخاصة، بل هي ثمرة طبيعية
وتدفق تلقائي لحياة الله المولودة في داخل المؤمن.
تتجلى المحبة كـ نتيجة حتمية وثمرة أصلية للولادة من
الله عبر النقاط التالية:
1. المحبة كدليل للولادة الجديدة
والانتقال من الموت إلى الحياة
تُولد الطبيعة الجديدة في المؤمن عندما يتقبل عمل
الروح القدس. وبما أن المصدر (الله) هو المحبة ذاتها، فإن المَولود منه يحمل حتماً
صفات أَبِيه.
المفهوم:
لا يمكن لإنسان أن يدّعي أنه وُلد من الله دون أن يمارس المحبة الفاضلة (الأغابي)،
لأن النبع الواصل إلى حياته أصلُه إلهي.
الشاهد:
«14نَحْنُ
نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ لأَنَّنَا
نُحِبُّ الإِخْوَةَ. مَنْ لاَ يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي الْمَوْتِ»(رِّسَالَةُ يُوحَنَّا الرَّسُولِ الأُولَى3:
14).
2. المحبة انسكاب لروح الله في القلب
المحبة ليست جهداً بشرياً بحتاً أو مجرد مشاعر عاطفية
متقلبة، بل هي عطية ونتاج لسكني الروح القدس الذي يجدد النفس بالولادة الثانية.
المفهوم:
القوة على محبة الآخرين —حتى الأعداء والمسيئين— تأتي من المحبة الإلهية المنسكبة
في الداخلي.
الشاهد:
«لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ
الْمُعْطَى لَنَا» (رومية 5: 5).
3. المحبة هي المعيار العملي لمعرفة
الله
الولادة من الله تمنح المؤمن "معرفة حقيقية" واختبارية لله، وهذه المعرفة
ليست نظريات لاهوتية بل سلوك عملي مُنعكس في المحبة.
المفهوم:
من يحب أظهر أنه يعرف الله بحق لأنه مولود منه؛ أما من يخلو قلبه من المحبة، فهو
لم يختبر الله ولا يزال غريباً عن طبيعته.
الشاهد:
«وَمَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ» (1يوحنا 4: 8).
4. المحبة المحاكية لكفارة الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
تتظهر نتيجة الولادة الإلهية في تقديم محبة بذات النمط
الذي أحبنا به الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ؛
أي المحبة الباذلة التي لا تطلب ما لنفسها.
المفهوم:
الولادة من الله تجعل المؤمن يرى الآخرين بعيني الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ،
فيتحول مفهوم الحب من "الأخذ" إلى "العطاء والتضحية".
الشاهد:
«بِهَذَا قَدْ عَرَفْنَا الْمَحَبَّةَ: أَنَّ ذَاكَ وَضَعَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا،
فَنَحْنُ يَنَبَغِي لَنَا أَنْ نَضَعَ نُفُوسَنَا لأَجْلِ الإِخْوَةِ» «16بِهَذَا
قَدْ عَرَفْنَا الْمَحَبَّةَ: أَنَّ ذَاكَ وَضَعَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، فَنَحْنُ
يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَضَعَ نُفُوسَنَا لأَجْلِ الإِخْوَةِ»(رِّسَالَةُ يُوحَنَّا الرَّسُولِ الأُولَى3:
16).
v
مراجع كتابية وآبائية لمزيد من الدراسة
إذا أردت التوسع والدراسة العميقة لهذا
الموضوع، يمكنك الرجوع للمراجع والشواهد التالية:
أ. شواهد كتابية أخرى للدراسة
والمقارنة:
1. رسالة يوحنا الأولى (الإصحاحات 3، 4، 5):
هي النص المحوري للحديث عن العلاقة بين البنوة لله والمحبة والأعمال الصالحة (أنظر
خصيصاً: «»(رِّسَالَةُ
يُوحَنَّا الرَّسُولِ الأُولَى2: 29)، «»(رِّسَالَةُ يُوحَنَّا الرَّسُولِ الأُولَى5:
1-2).
2. إنجيل يوحنا 3: 1-8: حديث الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
مع نيقوديموس عن طبيعة الميلاد الثاني بالماء والروح.
3. رسالة كورنثوس الأولى (الإصحاح 13):
"أنشودة المحبة" للرسول بولس، والتي تشرح صفات هذه المحبة الإلهية
ومكانتها الفائقة.
4. رسالة غلاطية 5: 22-23: حيث تُذكر المحبة
كأول ثمر للروح القدس في حياة المؤمن.
ب. التفاسير والمراجع الآبائية
واللاهوتية:
1. عظات القديس أُوغسطينوس على رسالة يوحنا
الأولى (In Epistulam Ioannis ad Parthos): يُعتبر من أعمق الشروح التي ربطت بين المحبة وطبيعة الله
والولادة الثانية.
2. تفسير رسالة يوحنا الأولى - القديس يوحنا
الذهبي الفم: يركز على المحبة الأخوية كدليل حي وعملي على إيمان المسيحي وشرف
بنوته لله.
3. كتاب "حياة الحب الإلهي" أو
تفاسير رسائل يوحنا (للبابا شنودة الثالث / أو الأب متى المسكين): يقدمان شرحاً
لاهوتياً ورعائياً مفصلاً حول مفهوم "الله محبة" وكيف تنعكس الولادة من
الله على السلوك والقلب.
4. تفسير العهد الجديد (القمص تادرس يعقوب
ملطي - رسالة يوحنا الأولى): يجمع بين الآراء الآبائية والشرح السهل المفصل لربط
الميلاد الثاني بالسلوك بالمحبة.

0 التعليقات:
إرسال تعليق