الشر في معناها وكينونته
إعداد
د. القس سامي منير اسكندر
هل الشر كيان أو مخلوق منفصل بذاته؟
حسب فكر الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ، الشر ليس كيانًا مستقلًا قائمًا بذاته، وليس مخلوقًا خلقه الله كجوهرٍ مقابل للخير. بل يُقدِّم الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ الشر على أنه فساد للخير، وانحراف عن إرادة الله، وتمرد على الحق. وهذه نقطة أساسية تميز فكر الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ عن بعض الفلسفات الثنائية التي تجعل الخير والشر قوتين أزليتين متساويتين.
عرض الفكرة اللاهوتي للإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ:
أولًا: الله هو الخالق الوحيد، وكل ما خلقه كان حسنًا
يفتتح الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ بإعلان واضح: » 31وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدّاً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْماً سَادِساً« )سفر التكوين 1: 31(.
هذه الآية تؤكد أن الخليقة في أصلها:
صالحة. وليست شريرة. ولم يُخلق فيها الشر كجوهر مستقل.
فلو كان الشر مخلوقًا من الله بوصفه شرًا، لما أمكن وصف الخليقة كلها بأنها "حسنة جدًا".
ثانيًا: الشر هو غياب البر أو انحرافه
الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ يصف الخطية بأنها:
1) تعدٍّ لوصية الله «4كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ يَفْعَلُ التَّعَدِّيَ أَيْضاً. وَالْخَطِيَّةُ هِيَ التَّعَدِّي»(رِّسَالَةُ يُوحَنَّا الرَّسُولِ الأُولَى3: 4).
2) انحراف عن الطريق المستقيم.
3) تمرد على إرادة الله.
4) فساد للطبيعة الأخلاقية.
فالشر لا يُقدَّم كـ"شيء" خلقه الله، بل كتشويه لما هو صالح.
فمثلًا:
I. الكذب هو فساد للصدق.
II. الظلم هو غياب العدل.
III. الكراهية هي انحراف عن المحبة.
IV. الموت دخل نتيجة الخطية، ولم يكن جزءًا من الخليقة الأولى «12مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ رُومِيَةَ5: 12).
ثالثًا: هل إبليس هو الشر؟
الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ يفرق بين:
الشر بوصفه واقعًا أخلاقيًا.
وإبليس بوصفه كائنًا شخصيًا.
إبليس: ليس الشر نفسه. وليس مساويًا لله. وليس أزليًا.
بل هو مخلوق سقط بسبب الكبرياء والتمرد.
يقول الرب عن إبليس: » كَانَ قَتَّالًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ... وَهُوَ أَبُو الْكَذِبِ« )إنجيل يوحنا8: 44(.
ويقول عن سقوطه: «18فَقَالَ لَهُمْ: «رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ سَاقِطاً مِثْلَ الْبَرْقِ مِنَ السَّمَاءِ« )إنجيل لوقا10: 18(.
إذن: إبليس شخصية حقيقية. ولكنه ليس أصلًا مساويًا لله. بل مخلوق استخدم حريته في التمرد.
رابعًا: هل الشر قوة مستقلة؟
الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ يرفض فكرة وجود قوتين متساويتين:
إله الخير. وإله الشر.
بل يؤكد: »5أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ. لاَ إِلَهَ سِوَايَ. نَطَّقْتُكَ وَأَنْتَ لَمْ تَعْرِفْنِي. 6لِيَعْلَمُوا مِنْ مَشْرِقِ الشَّمْسِ وَمِنْ مَغْرِبِهَا أَنْ لَيْسَ غَيْرِي. أَنَا الرَّبُّ وَلَيْسَ آخَرُ« )سفر إشعياء45: 5و6).
فالله وحده: الأزلي. والخالق. والسيد.
أما الشر فلا يملك وجودًا مستقلًا عنه، ولا سلطانًا مساويًا له.
خامسًا: كيف دخل الشر إلى العالم؟
يشرح الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ أن الشر دخل من خلال إساءة استخدام الحرية.
بالنسبة للإنسان: «12مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ رُومِيَةَ 5: 12). أي أن الشر لم يُخلق، بل دخل عندما اختار الإنسان العصيان.
سادسًا: لماذا يسمح الله بالشر؟
الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ لا يقدّم جوابًا فلسفيًا كاملاً لكل أبعاد هذه المسألة، لكنه يؤكد عدة حقائق:
الله ليس مصدر الشر الأخلاقي.
الله قد يسمح بوجود الشر زمنًا دون أن يوافق عليه.
الله قادر أن يحوّل حتى نتائج الشر لتحقيق مقاصده الصالحة،
كما يظهر في قصة يوسف: »أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا« )سفر التكوين50: 20).
فالشر يبقى شرًا، لكن سيادة الله ليست مقيدة به.
سابعًا: النهاية بحسب الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ
الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ لا يرى الشر واقعًا أبديًا، بل واقعًا مؤقتًا سيُدان ويُزال.
في الرؤية الأخيرة للإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ:
يُدان إبليس. ويُزال الموت. ولا يبقى حزن ولا وجع.
كما يعلن سفر الرؤيا 21–22 عن الخليقة الجديدة التي لا مكان فيها للشر.
الخلاصة
وفقًا للإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ:
الشر ليس كيانًا مستقلًا ولا مخلوقًا خلقه الله بوصفه شرًا.
الشر هو فساد الخير، وانحراف الإرادة عن مقاصد الله، وتمرد على الحق.
إبليس كائن مخلوق سقط، لكنه ليس إلهًا للشر ولا قوة مساوية لله.
الله وحده هو الأزلي والخالق، وسيادته تشمل التاريخ كله، مع بقائه قدوسًا غير مصدر للشر الأخلاقي.
قصة الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ تنتهي بإزالة الشر نهائيًا، لا بالتعايش الأبدي معه، مما يؤكد أن الشر ليس أصلًا أزليًا، بل دخيل على الخليقة وسيُقضى عليه في النهاية.
0 التعليقات:
إرسال تعليق