الجبل كمكان للقاء الله والعهد والوصايا
إعداد
د. القس سامي منير إسكندر
v
الجبل للقاء الله والعهد والوصايا في حياة النبي موسي
في أَسْفَارٌ نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ، تبرز قصة النبي
موسى كأوضح مثال على الصعود إلى الجبل للقاء الله واستلام الوصايا. جبل سيناء (أو
حوريب) هو المركز الأساسي لهذا الحدث.
الجبل في حياة النبي موسى: مسرح اللقاء الإلهي
في
الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ،
وخاصة في حياة النبي موسى، لا يُعد "الجبل"
مجرد مرتفع جغرافي، بل هو بيئة روحية مقدسة. إنه يمثل الارتفاع عن الأرضيات،
والاقتراب من السماويات، والمكان الذي يختار الله أن يعلن فيه ذاته ويبرم عهوده مع
البشر.
يمكننا
تتبع أهمية الجبل في حياة موسى من خلال ثلاث مراحل رئيسية: الدعوة، استلام الشريعة
والعهد، ورؤية أرض الموعد والنهاية.
1)
جبل حوريب (سيناء): مكان
الدعوة والإعلان الأول
كانت
بداية رحلة موسى الحقيقية كقائد لشعب إسرائيل على سفح جبل حوريب (والذي يُعرف
أيضاً بجبل سيناء أو جبل الله).
اللقاء في العليقة المشتعلة: بينما
كان موسى يرعى غنم حميه يثرون، قاده الله إلى الجبل. هناك، رأى منظراً عجيباً:
عليقة تشتعل بالنار ولا تحترق.
«1وَأَمَّا مُوسَى فَكَانَ يَرْعَى غَنَمَ يَثْرُونَ حَمِيهِ كَاهِنِ
مِدْيَانَ فَسَاقَ الْغَنَمَ إِلَى وَرَاءِ الْبَرِّيَّةِ وَجَاءَ إِلَى جَبَلِ
اللهِ حُورِيبَ. 2وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ بِلَهِيبِ نَارٍ مِنْ وَسَطِ عُلَّيْقَةٍ
فَنَظَرَ وَإِذَا الْعُلَّيْقَةُ تَتَوَقَّدُ بِالنَّارِ وَالْعُلَّيْقَةُ لَمْ
تَكُنْ تَحْتَرِقُ!»(سِفْرُ اَلْخُرُوجُ3: 1-2).
إعلان الاسم الإلهي والدعوة: على
هذا الجبل، لم يتلقَ موسى دعوته لقيادة الشعب فحسب، بل أُعلن له الاسم الإلهي
الأعظم "أهْيَهِ الَّذِي أهْيَهْ" (أنا هو الكائن). الجبل هنا يمثل مكان
الإعلان الإلهي الخالص.
«14فَقَالَ اللهُ لِمُوسَى: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ». وَقَالَ: «هَكَذَا
تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ»(سِفْرُ اَلْخُرُوجُ3:
14).
الوعد بالعودة إلى الجبل: أعطى
الله لموسى علامة على نجاح إرساليته: أن يعودوا ليعبدوا الله على نفس هذا الجبل
بعد خروجهم من مصر.
«12فَقَالَ: «إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ وَهَذِهِ تَكُونُ لَكَ الْعَلاَمَةُ
أَنِّي أَرْسَلْتُكَ: حِينَمَا تُخْرِجُ الشَّعْبَ مِنْ مِصْرَ تَعْبُدُونَ اللهَ
عَلَى هَذَا الْجَبَلِ»(سِفْرُ اَلْخُرُوجُ3: 12).
2)
جبل سيناء: مكان العهد،
الوصايا، وحضور الله المهوب
المحطة
الأهم في رحلة الخروج كانت الوصول إلى جبل سيناء. هنا، تحول الجبل إلى هيكل مهوب،
حيث حل مجد الله وتأسست أمة إسرائيل من خلال العهد.
حلول
مجد الله (الثيوفانيا): لم
يكن اللقاء هنا هادئاً كالعليقة، بل كان مصحوباً بظواهر كونية رهيبة (رعود، بروق،
سحاب كثيف، دخان، وزلزلة) لبيان قداسة الله ورهبة حضوره.
«18وَكَانَ جَبَلُ سِينَاءَ كُلُّهُ يُدَخِّنُ
مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّبَّ نَزَلَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ وَصَعِدَ دُخَانُهُ
كَدُخَانِ الأَتُونِ وَارْتَجَفَ كُلُّ الْجَبَلِ جِدّاً»(سِفْرُ اَلْخُرُوجُ19:
18).
استلام الشريعة والوصايا العشر: صعد
موسى وحده إلى قمة الجبل ليلتقي بالله ويستلم منه لوحي الشريعة، والوصايا، وتفاصيل
خيمة الاجتماع. الجبل هنا هو "غرفة الاجتماع" السرية بين الله ونبيه.
«12وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «اصْعَدْ إِلَيَّ إِلَى الْجَبَلِ وَكُنْ
هُنَاكَ فَأُعْطِيَكَ لَوْحَيِ الْحِجَارَةِ وَالشَّرِيعَةِ وَالْوَصِيَّةِ
الَّتِي كَتَبْتُهَا لِتَعْلِيمِهِمْ»(سِفْرُ اَلْخُرُوجُ24:
12).
الصوم والخلوة الطويلة: بقي
موسى على الجبل أربعين نهاراً وأربعين ليلاً، في خلوة تامة مع الله، صائماً، مما
يعكس أن الجبل هو مكان للانقطاع عن العالم والتكريس الكامل لسماع صوت الله.
«18وَدَخَلَ مُوسَى فِي وَسَطِ السَّحَابِ وَصَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ. وَكَانَ مُوسَى
فِي الْجَبَلِ أَرْبَعِينَ نَهَاراً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً»(سِفْرُ اَلْخُرُوجُ24:
18).
الشفاعة عن الشعب: عندما
أخطأ الشعب وعبدوا العجل الذهبي في السفح، كان موسى على الجبل يشفع فيهم أمام
الله، ليمنع هلاكهم. الجبل أصبح مكان الشفاعة والتوسط. «»(سِفْرُ اَلْخُرُوجُ 32).
3)
جبل نبو: نظرة أخيرة
ونهاية الرحلة
في
نهاية حياته، وبعد أربعين سنة من التيه في البرية، صعد موسى إلى جبل للمرة
الأخيرة. هذه المرة لم يكن ليستلم وصية، بل ليرى الوعد يتحقق، ولينهي رحلته
الأرضية.
رؤية أرض الموعد: أمر
الله موسى بالصعود إلى جبل نبو (في سلسلة جبال عباريم) ليرى أرض كنعان التي لن
يدخلها. الجبل هنا يوفر الرؤية الواسعة، نظرة إلى المستقبل وإلى وعود الله
المكتملة.
«1وَصَعِدَ
مُوسَى مِنْ عَرَبَاتِ مُوآبَ إِلى جَبَلِ نَبُو إِلى رَأْسِ الفِسْجَةِ الذِي
قُبَالةَ أَرِيحَا فَأَرَاهُ الرَّبُّ جَمِيعَ الأَرْضِ مِنْ جِلعَادَ إِلى دَانَ 2وَجَمِيعَ
نَفْتَالِي وَأَرْضَ أَفْرَايِمَ وَمَنَسَّى وَجَمِيعَ أَرْضِ يَهُوذَا إِلى
البَحْرِ الغَرْبِيِّ 3وَالجَنُوبَ
وَالدَّائِرَةَ بُقْعَةَ أَرِيحَا مَدِينَةِ النَّخْلِ إِلى صُوغَرَ. 4وَقَال لهُ
الرَّبُّ: «هَذِهِ هِيَ الأَرْضُ التِي أَقْسَمْتُ لِإِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ
وَيَعْقُوبَ قَائِلاً: لِنَسْلِكَ أُعْطِيهَا. قَدْ أَرَيْتُكَ إِيَّاهَا
بِعَيْنَيْكَ وَلكِنَّكَ إِلى هُنَاكَ لا تَعْبُرُ»(سِفْرُ اَلَتَّثْنِيَة34:
1-4).
الموت
والدفن السري: على
هذا الجبل مات موسى العظيم، ودفنه الله بنفسه في مكان غير معروف، لئلا يُعبد قبره.
كانت نهاية تليق بمن قضى أعظم لحظات حياته على الجبال مع الله.
«5فَمَاتَ
هُنَاكَ مُوسَى عَبْدُ الرَّبِّ فِي أَرْضِ مُوآبَ حَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ. 6وَدَفَنَهُ
فِي الجِوَاءِ فِي أَرْضِ مُوآبَ مُقَابِل بَيْتِ فَغُورَ. وَلمْ يَعْرِفْ
إِنْسَانٌ قَبْرَهُ إِلى هَذَا اليَوْمِ»(سِفْرُ اَلَتَّثْنِيَة34:
5-6).
v
دلالات روحية عامة للجبل في قصة موسى
1. السمو الروحي: الصعود
إلى الجبل يتطلب جهداً، وهو يرمز للجهد الروحي المطلوب للارتقاء والابتعاد عن
مشاغل الأرض للقاء الله.
2. العزلة والهدوء: الجبل
بعيد عن صخب المخيم، مما يؤكد أن سماع صوت الله بوضوح يتطلب خلوة وسكوناً داخلياً
وخارجياً.
3. رهبة القداسة: الجبال في قصة موسى، وخاصة سيناء، كانت محاطة بحدود لمنع الشعب من الاقتراب، مما يعكس قداسة الله التي لا يُقترب منها إلا بدعوة وتطهير.
0 التعليقات:
إرسال تعليق