التزام وأمانة الله في الوعود
إعداد
د. القس سامي منير إسكندر
الوعد الإلهي هو التزام من الله نفسه تجاه الإنسان.
نص الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ: «19ليْسَ اللهُ إِنْسَاناً فَيَكْذِبَ وَلا ابْنَ إِنْسَانٍ فَيَنْدَمَ. هَل يَقُولُ وَلا يَفْعَلُ؟ أَوْ يَتَكَلمُ وَلا يَفِي؟»(سِفْرُ اَلْعَدَد23: 19)، يُعدّ النص من نصوص الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ التي تعلن ثبات الله وأمانته والتزامه الكامل بكلمته: هذه الكلمات نطق بها بلعام عندما حاول بالاق أن يجعله يلعن إسرائيل، لكن الله حوّل اللعنة إلى بركة. وفي هذا السياق أعلن بلعام حقيقة لاهوتية عظيمة: الله ملتزم بما يقوله، وأمين لما يعد به.
أولًا: ما المقصود بالالتزام الإلهي؟
الالتزام الإلهي يعني أن الله:
I. لا ينطق بكلمة عبثًا.
II. لا يَعِد ثم يتراجع.
III. لا يعلن قصدًا ثم يفشل في تحقيقه.
IV. لا يتصرف بطريقة تناقض طبيعته.
فالإنسان قد:
I. يعد ثم يعجز.
II. يَعِد ثم ينسى.
III. يَعِد ثم يغيّر رأيه.
IV. يَعِد ثم يخدع.
أما الله فليس كذلك.
لذلك يسأل النص: »هل يقول ولا يفعل؟»
والجواب الضمني: مستحيل.
ثانيًا: أمانة الله نابعة من طبيعته
الله لا يكون أمينًا أحيانًا وغير أمين أحيانًا أخرى. بل الأمانة جزء من كيانه.
يقول الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ: »13إِنْ كُنَّا غَيْرَ أُمَنَاءَ فَهُوَ يَبْقَى أَمِيناً، لَنْ يَقْدِرَ أَنْ يُنْكِرَ نَفْسَهُ»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ الثَّانِيةُ إِلَى تِيمُوثَاوُسَ2: 13).
ويقول أيضًا: «9أَمِينٌ هُوَ اللهُ الَّذِي بِهِ دُعِيتُمْ إِلَى شَرِكَةِ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ الأُولَى إِلَى أَهْلِ كُورِنْثُوسَ1: 9).
الأمانة ليست مجرد صفة يمارسها الله، بل هي من جوهر شخصيته.
لذلك فإن كل وعد إلهي يستند إلى طبيعة الله ذاتها.
ثالثًا: الفرق بين أمانة الله وأمانة الإنسان
الإنسان الله
معرفته محدودة علمه كامل
قوته محدودة قدرته مطلقة
قد ينسى لا ينسى
قد يخدع لا يكذب
قد يتغير ثابت
قد يعجز عن التنفيذ لا يعجز عن شيء
لهذا السبب فإن أمانة الله تختلف نوعيًا عن أي أمانة بشرية.
رابعًا: «ليس الله إنسانًا فيكذب«
الكذب عند البشر ينشأ غالبًا من: الجهل. والخوف. والمصلحة. والضعف.
أما الله: يعلم كل شيء. ولا يخاف أحدًا. ولا يحتاج إلى مكسب. ولا يعاني نقصًا.
لذلك يستحيل أن يكذب.
ولهذا يقول الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ في الرِّسَالَةُ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ: »لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكْذِبَ اللهُ«.
فالصدق الإلهي ليس مجرد اختيار أخلاقي بل ضرورة نابعة من طبيعته.
خامسًا: «ولا ابن إنسان فيندم«
المقصود هنا ليس أن الله لا يشعر أو لا يتفاعل، بل أن الله لا يندم بسبب خطأ في التقدير كما يفعل البشر.
الإنسان يندم لأنه: لم يعرف كل الحقائق. وأخطأ في الحساب. واكتشف أمورًا جديدة.
أما الله فلا يفاجئه شيء.
لذلك لا يحتاج إلى مراجعة قراراته بسبب نقص المعرفة.
عندما يتحدث الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ أحيانًا عن «ندم الله»، يكون ذلك لغة بشرية تصف تغير طريقة تعامل الله مع الإنسان عندما يتغير الإنسان نفسه، لا تغيرًا في معرفة الله أو مقاصده الأزلية.
سادسًا: أمانة الله في الوعود
1) في وعوده لإبراهيم
وعد الله إبراهيم: بنسل. أو بأرض. أو ببركة للأمم. وبالرغم من مرور سنوات طويلة تحقق الوعد.
2) في الخروج من مصر
وعد الله شعبه بالخلاص من العبودية. وعلى الرغم من قوة فرعون تحقق الوعد.
3) في مجيء الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
مئات النبوات سبقت مجيء الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. وبعد قرون طويلة تم تحقيقها.
وهذا من أعظم الأدلة على أمانة الله لكلمته.
4) في وعد الخلاص
كل من يأتي إلى الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بالإيمان يجد أن الله أمين لوعده: »مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا«.
سابعًا: أمانة الله في التأديب أيضًا
أحيانًا نحصر أمانة الله في البركات فقط. ولكن الله أمين كذلك في تحذيراته.
فكما يفي بوعود الرحمة: يفي أيضًا بتحذيراته. وينفذ أحكامه العادلة.
لأن الأمانة تعني الالتزام الكامل بكل ما قاله.
ثامنًا: ماذا تعني أمانة الله للمؤمن؟
1) الثقة وسط التأخير
قد يتأخر تحقيق الوعد. لكن التأخير ليس إلغاءً.
كثير من وعود الله احتاجت سنوات قبل أن تتحقق.
2) الثبات وسط الظروف
الظروف تتغير. والمشاعر تتغير. والناس يتغيرون. لكن كلمة الله ثابتة.
3) الرجاء وسط الألم
عندما لا نفهم ما يحدث يمكننا أن نتكل على شخصية الله.
فنحن لا نثق فقط في الوعد، بل في الواعد.
تاسعًا: أمانة الله في المشورة والرعاية النفسية
من أهم الاحتياجات النفسية للإنسان الشعور بالأمان.
والأمان الحقيقي لا يقوم على: المال. أو الصحة. أو العلاقات. لأن كل هذه أمور متغيرة.
أما الله فهو الثابت وسط عالم متغير.
ولهذا فإن التأمل في أمانة الله يمنح:
I. طمأنينة في القلق.
II. رجاء في الضيق.
III. ثباتًا في التجارب.
IV. شجاعة في المستقبل.
الخلاصة اللاهوتية:
يكشف سفر العدد 23: 19 أن الالتزام الإلهي ليس مجرد وفاء بوعد معين، بل هو تعبير عن طبيعة الله نفسه. فالله لا يكذب لأنه الحق، ولا يتراجع بسبب خطأ لأنه كامل المعرفة، ولا يعجز عن التنفيذ لأنه كلي القدرة. لذلك فإن كل كلمة تخرج من فمه تحمل ضمان شخصه.
ولهذا يستطيع المؤمن أن يبني حياته كلها على هذه الحقيقة: «هل يقول ولا يفعل؟ أو يتكلم ولا يفي؟» والجواب الذي يقدمه تاريخ الخلاص كله هو: الله أمين: «21وَتَيَقَّنَ أَنَّ مَا وَعَدَ بِهِ هُوَ قَادِرٌ أَنْ يَفْعَلَهُ أَيْضاً»(رِّسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ رُومِيَةَ4: 21).
0 التعليقات:
إرسال تعليق