• اخر الاخبار

    دراسة عن الصليب الجزء الخامس داود يتكلم عن الصليب إعداد د. القس سامي منير إسكندر

     

    دراسة عن الصليب

    الجزء الخامس

    داود يتكلم عن الصليب

    إعداد

    د. القس سامي منير إسكندر

     

    نص الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ: «16لأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَتْ (طَوَّقَتْنِي)  بِي كِلاَبٌ. جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي (أَحَاطَتْ بِي). ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ. 17أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي، وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَيَرَوْنَ فِيَّ. 18يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ»(سِفْرُ اَلْمَزَامِيرُ، مَزْمُور22: 16-18). هذا النص يُعدّ من أشهر نصوص سفر المزامير، وهو مزمور منسوب إلى داود النبي. لفهمه بشكل وافٍ، يُعدّ من أعمق النصوص الشعرية والروحية في الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ، لأنه يجمع بين ألم إنساني شديد وبُعد نبوي رمزي. لفهمه بعمق،

    السياق العام للمزمور: مزمور 22 منسوب إلى داود، وهو يبدأ بصرخة شهيرة: «إلهي إلهي لماذا تركتني؟»

    هذا يعني أننا أمام: صلاة في عمق الضيق، وصرخة إنسان يشعر بأنه مُحاصر ومتروك، وتجربة ألم جسدي ونفسي وروحي، نحتاج أن ننظر إليه من عدة مستويات: الأدبي، التاريخي، والروحي:

    المعنى الأدبي، السياق التاريخي، ثم التفسير الروحي.

    أولًا: المعنى الأدبي المباشر (اللغة والصورة)

    النص يستخدم لغة شعرية قوية جدًا مليئة بالصور:

    »أَحَاطَتْ (طَوَّقَتْنِي) بِي كِلاَبٌ «: الكلاب في الثقافة القديمة (خصوصًا في الشرق الأدنى القديم) لم تكن حيوانات أليفة كما اليوم، بل ترمز إلى: الاحتقار، العنف، النجاسة

    المعنى: أعداء كثيرون يحيطون به كأنهم وحوش مفترسة. «الكلاب» هنا ليست حرفية فقط، بل رمز للاحتقار والعدوانية، تشير إلى أعداء بلا رحمة.

    »جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي (أَحَاطَتْ بِي)«.

    تأكيد للفكرة السابقة: حصار كامل من أعداء أقوياء، لا مهرب، ضغط نفسي وجسدي، فيه إحساس بالعزلة والخطر الشديد: «أحاطت بي».

    الصورة: إنسان وحيد محاصر من كل جهة بقوى شريرة.

    »ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ «

    صورة صادمة: قد تشير إلى تعذيب جسدي شديد، أو تصف ألمًا جسديًا حادًا، تعطي صورة لإنسان مُثبت أو مُعذَّب بطريقة عنيفة.

    المعنى الروحي: فقدان القدرة (اليدين للعمل، الرجلين للحركة)، الشعور بالعجز التام (كأن أطرافه مُعطّلة). النص العبري فيه جدل لغوي، لكن المعنى العام: ألم جسدي قاسٍ جدًا.

    في الفهم المسيحي: ترتبط هذه العبارة مباشرة بصلب الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، حيث ثُقبت يداه ورجلاه

    »أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي «

    تعبير عن: الهزال الشديد (من الجوع أو المرض أو العذاب)، أو انكشاف الجسد.

    كأنه يقول: جسدي صار ضعيفًا جدًا حتى أرى عظامي. كأن الإنسان صار مجرد هيكل عظمي.

    المعنى: انكشاف كامل، ضعف بلا ستر، ألم يصل إلى أقصى درجاته

    »وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَيَرَوْنَ فِيَّ «

    الأعداء لا يكتفون بالأذى، بل: يتفرجون عليه، فيه نوع من السخرية أو الشماتة

    ليس فقط ألم، بل ألم أمام جمهور

    هذا يزيد المعاناة: الألم + الإذلال العلني.

    »يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ «

    صورة إذلال قصوى: كأن الشخص ميت أو على وشك الموت، تقسيم الملابس عادة يحدث بعد الموت

    »يَقْتَرِعُونَ» = يرمون قرعة (قرعة = اختيار عشوائي)،

    صورة قاسية جدًا، فالشخص لم يمت بعد، لكنهم يتصرفون كأنه انتهى.

    المعنى: تجريد كامل من الكرامة، استباحة الإنسان حتى ممتلكاته

    في العهد الجديد: تحققت حرفيًا عند صلب الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ عندما اقتسم الجنود ثيابه.

    ثانيًا: السياق التاريخي

    المزمور يعكس حالة إنسان: مطارد، متألم نفسيًا وجسديًا، يشعر أن الجميع ضده

    يُعتقد أن داود النبي كتب هذا في فترة اضطهاد (مثل مطاردة الملك شاول له).

    إذًا في الأصل: هو صراخ إنسان يعاني بشدة ويشعر أن الله بعيد عنه (خاصة مع بداية المزمور: «إلهي إلهي لماذا تركتني؟»).

    ثالثًا: التفسير المسيحي (الأهم في هذا النص):

    هذا المقطع هو نبوءة دقيقة عن صلب الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.

    v   الربط مع الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ:

    مزمور 22

    ما حدث في العهد الجديد

    »ثقبوا يديّ ورجليّ«

    صلب الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ (تثبيت بالمسامير)

    »يقسمون ثيابي بينهم«

    الجنود قسموا ثيابه

    »على لباسي يقترعون«

    ألقوا قرعة على ثوبه

     هذه الأحداث مذكورة في إنجيل يوحنا (الإصحاح 19).

    v   لماذا هذا مهم؟

    لأن: المزمور كُتب قبل الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بحوالي 1000 سنة، ومع ذلك يصف تفاصيل دقيقة جدًا من الصلب، لذلك يرى المسيحيون أنه: نص نبوي (Messianic Prophecy) يشير إلى الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.

    رابعًا: المعنى الروحي العميق

    النص لا يتكلم فقط عن الألم الجسدي، بل عن:

    1)   أقصى درجات المعاناة: جسدية، نفسية، اجتماعية (رفض واحتقار)

    2)   الشعور بالترك: كأن الله صامت، وهذا شعور يمر به كثير من الناس

    3)   الأمل وسط الألم: رغم كل هذا، المزمور لاحقًا يتحول إلى:

    ثقة بالله، خلاص، تمجيد

    خامسًا: البعد النبوي

    هذا النص يُفهم في المسيحية كـ نبوة مسبقة عن آلام الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ:

    الحصار رفض الناس

    ثقب اليدين والرجلين الصلب

    اقتسام الثياب حدث تاريخي في الصليب

    أي أن المزمور: يبدأ كتجربة شخصية، لكنه يتجاوزها ليصف حدثًا أعظم.

    سادسًا: البعد الإنساني العميق

    بعيدًا عن التفسير النبوي، النص يعبّر عن تجربة إنسانية عالمية:

    1) الشعور بالحصار: حين تحيط بك المشاكل أو الناس أو الضغوط.

    1)   العجز الكامل: حين تفقد القدرة على التغيير أو الهروب.

    2)   الألم العلني: حين تعاني أمام الآخرين دون تعاطف.

    3)   فقدان الكرامة: حين يُعامَل الإنسان كأنه بلا قيمة.

    سابعًا: المفارقة في المزمور كله

    رغم هذا العمق من الألم، المزمور لا ينتهي هنا. بل يتحول لاحقًا إلى:

    رجاء، تسبيح، إعلان ثقة بالله

    وهذا مهم جدًا: الإيمان في الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ لا ينكر الألم… بل يمرّ خلاله.

    v   الخلاصة

    هذا النص يكشف:

    v   خلاصة مركّزة: هذا النص:

    أدبيًا: تصوير شعري قوي لمعاناة إنسان محاصر ومُعذّب

    تاريخيًا: يعكس تجربة اضطهاد حقيقية لداود

    لاهوتيًا (مسيحيًا): يُعتبر نبوءة دقيقة عن صلب وآلام الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ

    روحيًا: يعبر عن الألم الإنساني العميق مع بصيص رجاء

    لكن الأهم: حتى في أقصى الظلمة، النص جزء من قصة أكبر تنتهي بالرجاء.

    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    Item Reviewed: دراسة عن الصليب الجزء الخامس داود يتكلم عن الصليب إعداد د. القس سامي منير إسكندر Rating: 5 Reviewed By: د. القس سامي منير اسكندر
    Scroll to Top