• اخر الاخبار

    دراسة عن الصليب الجزء الثالث الحية النحاسية رمز للصليب إعداد د. القس سامي منير إسكندر

     

    دراسة عن الصليب

    الجزء الثالث

    الحية النحاسية رمز للصليب  

    إعداد

    د. القس سامي منير إسكندر

     

    1)   موسى يرفع الحية النحاسية

    «8فَقَالَ ٱلرَّبُّ لِمُوسَى: «ٱصْنَعْ لَكَ حَيَّةً نُحَاسِيَّةً وَٱرْفَعْهَا عَلَى رَايَةٍ فَتَكُونَ كُلُّ مَنْ مُسَّ وَلَمْ يَمُتْ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا يَحْيَا». 9فَصَنَعَ مُوسَى حَيَّةً مِنْ نُحَاسٍ وَرَفَعَهَا عَلَى ٱلرَّايَةِ فَكَانَ إِذَا لَدَغَتْ حَيَّةٌ إِنْسَانًا وَنَظَرَ إِلَى حَيَّةِ ٱلنُّحَاسِ يَحْيَا»(سِفْرُ اَلْعَدَد21: 8-9). هذا النص يظهر لنا أن الخلاص هو من الله، وأن الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ هو الذي يقدم الخلاص للبشرية.

    تمثل حادثة "الحية النحاسية" في سفر العدد واحدة من أكثر النصوص ثراءً بالدلالات اللاهوتية، واللغوية، والنفسية في الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ. فهي ليست مجرد معجزة شفاء، بل هي "منظومة إيمانية" متكاملة تجمع بين العقوبة والرحمة، والرمز والواقع.

    إليك شرح وافٍ وبتوسع لهذه الحادثة من زوايا متعددة:

    1. السياق التاريخي والحدث (The Context)

    حدثت هذه الواقعة أثناء تذمر بني إسرائيل في البرية بسبب طول الطريق ونقص الطعام والماء. كان عقاب التذمر هو ظهور "الحيات المحرقة" (بالعبرية: Nehashim Seraphim) التي لدغت الشعب فمات منهم كثيرون.

    اللدغة: تمثل نتيجة الخطية (الموت).

    التوبة: اعترف الشعب بخطئهم وطلبوا من موسى الشفاعة.

    الحل الإلهي: لم يرفع الله الحيات عنهم فوراً، بل قدم "وسيلة للنجاة" من أثر اللدغة.

    2. التحليل اللغوي والاشتقاقي (Etymological Analysis)

    هناك تلاعب لفظي (Wordplay) عبقري في النص العبري الأصلي يربط بين الأداة والمادة والحدث:

    نحاش (Nachash): تعني "حية".

    نحوشيت (Nechoshet): تعني "نحاس".

    نحاش نحوشيت (Nachash Nechoshet): أي "حية نحاسية".

    هذا الجناس الصوتي في اللغة العبرية يعطي النص قوة إيقاعية وتأكيدية؛ فالنحاس (المادة) يشبه في لونه لمعان وجلد الحية (الأداة).

    3. الرمزية اللاهوتية (Theological Symbolism)

    تعتبر الحية النحاسية في الفكر المسيحي واليهودي "نمطاً" (Type) يشير إلى مفاهيم أعمق:

    أ. التشابه في الشكل والاختلاف في الجوهر

    الحية النحاسية لها شكل الحية الحقيقية لكنها تخلو من السم.

    هذا يشير لاهوتياً إلى "الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" الذي أخذ شبه جسد الخطية (إنساناً) لكنه بلا خطية (بلا سم)، كما ورد في «14وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَان، 15لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ»(إِنْجِيلُ يُوحَنَّا3: 14-15).

    ب. النحاس كرمز للدينونة

    في الرمزية الكتابية، يُستخدم النحاس غالباً للإشارة إلى الدينونة أو القضاء. فرفع حية نحاسية يعني أن الخطية (التي ترمز لها الحية) قد حُكم عليها ودُينت أمام أعين الجميع.

    4. البعد السلوكي والنفسي: "قوة النظر" (The Act of Looking)

    تكمن قوة المعجزة في شرطها البسيط: "إذَا نَظَرَ إِلَيْهَا يَحْيَا".

    الإيمان العملي: النظر هنا ليس مجرد رؤية بصرية، بل هو فعل إرادي يعبر عن الثقة في وعد الله. الملدوغ كان عليه أن يشيح بوجهه عن ألمه (اللدغة) ويرفع عينيه إلى الأعلى (الحل الإلهي).

    مفارقة الشفاء: الشفاء جاء من خلال النظر إلى "صورة" الشيء الذي سبّب الموت. لكي يُشفى الإنسان، عليه أن يواجه حقيقة خطيته (الحية) لكن بعد أن حوّلها الله إلى وسيلة خلاص.

    الاستجابة الشخصية: النص يقول "كل من مس... إذا نظر". هذا يؤكد على المسؤولية الفردية؛ فالشفاء متاح للجميع، لكنه فعال فقط لمن يختار الاستجابة الشخصية.

    5. الحية النحاسية عبر التاريخ (نحوستَان)

    من المثير للاهتمام أن هذه الحية النحاسية ظلت محفوظة لدى بني إسرائيل لقرون، لكنها تحولت لاحقاً إلى وثن يُعبد، مما اضطر الملك حزقيا إلى سحقها وتدميرها «4هُوَ أَزَالَ الْمُرْتَفَعَاتِ، وَكَسَّرَ التَّمَاثِيلَ، وَقَطَّعَ السَّوَارِيَ، وَسَحَقَ حَيَّةَ النُّحَاسِ الَّتِي عَمِلَهَا مُوسَى لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا إِلَى تِلْكَ الأَيَّامِ يُوقِدُونَ لَهَا وَدَعُوهَا «نَحُشْتَانَ»(سِفْرُ اَلْمُلُوكِ الثَّانِي18: 4)، وسماها «نَحُشْتَانَ» (أي مجرد قطعة نحاس).

    الدرس التربوي: الرموز الإلهية وسيلة لتقريب العقل من الله، وليست غاية في ذاتها. الشفاء لم يكن في النحاس، بل في طاعة الكلمة الإلهية.

    v   خلاصة :

    العنصر

    الدلالة

    الحيات المحرقة

    مرارة الخطية وألمها الواقعي.

    النحاس

    صلابة الدينونة الإلهية ضد الشر.

    الراية (العمود)

    التشهير بالعدو (الحية) وإعلان النصرة.

    النظر

    فعل الإيمان والرجاء وتغيير الاتجاه (التوبة).

    الحياة

    النتيجة الحتمية للاستجابة للإعلان الإلهي.

    إن هذه الآية تلخص جوهر العلاقة بين الإنسان والخالق: الله يقدم الحل "خارج" ذات الإنسان (على راية مرفوعة)، وعلى الإنسان أن يستجيب بـ "فعل إيمان" بسيط (النظر) لكي ينال الحياة.

    الخلاصة: نرى عدة دروس مهمة:

    1. خطية الإنسان: الشعب الإسرائيلي كانوا قد تكلموا ضد الله وموسى، وهذا يظهر خطية الإنسان وعدم قدرته على تحقيق الخلاص بنفسه.

    2. رحمة الله: على الرغم من خطية الشعب، إلا أن الله أرسل لهم خلاصًا من لدغات الحيات السامة، وهذا يظهر رحمة الله واهتمامه ببني الإنسان.

    3. الخلاص بالنظر: الشعب كانوا ينظرون إلى حيَّة النحاس ويعيشون، وهذا يرمز إلى الخلاص الذي يقدمه الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، حيث ينظر المؤمنون إلى الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ويحصلون على الخلاص.

    4. رمز الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ: حيَّة النحاس هي رمز للرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الذي صلب على الصليب ليخلص البشرية من خطاياهم.

    التالي
    هذه اخر تدوينه
    رسالة أقدم
    • تعليقات بلوجر
    • تعليقات الفيس بوك

    0 التعليقات:

    Item Reviewed: دراسة عن الصليب الجزء الثالث الحية النحاسية رمز للصليب إعداد د. القس سامي منير إسكندر Rating: 5 Reviewed By: د. القس سامي منير اسكندر
    Scroll to Top