إعداد
د. القس سامي منير إسكندر
الجزء الخامس: اللغة الرمزية (البارتزوفيم)
كيف يُطبق الزوهار هذا "الغموض"
عملياً علي اللغة الرمزية (البارتزوفيم): كيف يصف الزوهار القوى الإلهية من خلال
رموز إنسانية (مثل الوجه، العين، اليد) مع التحذير من فهمها حرفياً؟
تطبيق "الغموض"
من خلال نظام البارتزوفيم (Partzufim - وتعني الوجوه أو الهيئات) هو أحد أكثر جوانب الزوهار تعقيداً
ودهشة. هنا، يستخدم الزوهار "اللغة البشرية"
كجسر، لكنه يضع فوقه "حواجز" تمنع العبور نحو التشبيه المادي.
إليك كيف يُطبق الزوهار هذا الغموض عملياً من خلال
ثلاثة أبعاد:
1. الرمز الإنساني كـ "مرآة
مشوهة"
يصف الزوهار القوى الإلهية باستخدام أعضاء الإنسان
(الرأس، العين، اليد)، ليس لأن الله له جسد (حاشا له)، بل لأن الإنسان خُلق "على صورة الله".
المبدأ:
العضو البشري هو مجرد "ظل" باهت لقوة روحية علوية. فعندما يتحدث الزوهار
عن "عين الله"،
فهو لا يقصد عضواً بصرياً، بل يقصد "صفة
المراقبة والعناية الإلهية".
تطبيق الغموض:
يستخدم الزوهار أوصافاً غريبة للأعضاء (مثل: عين لا تنام أبداً، أو جبهة تفيض
نوراً دائماً) ليجعل العقل يدرك أن هذا "الوجه" ليس وجهاً بشرياً، بل هو
هيكل من النور.
2. نظام البارتزوفيم (تجميع السفيروت)
السفيروت العشر ليست منفصلة، بل تجتمع في "هيئات" أو "وجوه"
(Partzufim).
وأشهرها في الزوهار:
عتيق يوما
(Atik Yomin):
"قديم الأيام"، وهو يمثل الإرادة المطلقة، ويُصور كوجه لا يظهر منه إلا
"الخفاء".
أريخ
أنبين (Arich
Anpin): "طويل الوجه" أو الصبور، ويرمز
لرحمة الله الواسعة.
زئير
أنبين (Zeir
Anpin): "صغير الوجه" أو المحتد، ويمثل
الصفات التي تتعامل مع العالم (العدل والرحمة الممزوجة).
3. التحذير من التجسيم (Anthropomorphism)
لكي يحافظ الزوهار على غموضه ويحمي القارئ من
"الشرك" أو "التشبيه"، يتبع قاعدة ذهبية: "تحدث بما لا
يُنطق به".
التجريد
المستمر: في وسط الوصف التفصيلي للوجه أو اليد،
يدرج الزوهار فجأة جملة مثل: "وليس هناك يمين ولا يسار، ولا فوق ولا تحت، بل
هو نور بسيط"، ليحطم الصورة المادية التي بدأت تتشكل في خيال القارئ.
لغة النفي:
غالباً ما يصف الشيء بما ليس هو، ليجبر العقل على السمو فوق المادة.
مثال عملي من "كتاب الاختفاء"
(Sifra di-Tzeniuta)
في وصف "جمجمة" (Gulgalta) الإنسان العلوي، يقول الزوهار إنها تفيض "ندى النور".
هذا الندى ليس سائلًا، بل هو رمز لتدفق الحكمة. الغموض هنا يكمن في استخدام كلمة
مادية (ندى) لوصف حالة معرفية محضّة.
هل ترى كيف أن الزوهار يستخدم
"الجسد" كخريطة للروح، وليس كحقيقة في حد ذاته؟
هذا يقودنا لسؤال مثير:
إذا كانت هذه "الوجوه" (البارتزوفيم) هي
قنوات للتواصل مع الإنسان، فهل تعتقد أن الغرض من "الغموض"
هو إخفاء الحقيقة عن الإنسان، أم تدريب عقله على التفكير فيما وراء المادة؟
0 التعليقات:
إرسال تعليق