فَادْخُلْ
إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ
إعداد
د.
القس سامي منير اسكندر
«6وَأَمَّا
أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى
مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ
الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ
عَلاَنِيَةً»(إِنْجِيلُ مَتَّى6: 6).
هذه
الكلمات التي نطق بها الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ليست مجرد تعليمات مكانية
للصلاة، بل هي دعوة عميقة للتحول الروحي. "غلق الباب" هنا يتجاوز الفعل
المادي ليصبح رمزاً لحالة قلبية وذهنية ضرورية لبناء علاقة حقيقية وحميمة مع الله.
في عالم مليء بالضجيج والمشتتات، يصبح "غلق الباب" ضرورة ملحة لاستعادة
السلام الداخلي والتركيز على الخالق.
1) الانفصال عن مغريات العالم:
"غلق الباب"
يعني أولاً وقبل كل شيء عزل النفس عن ضجيج العالم الخارجي. نحن نعيش في عصر تتسابق
فيه المعلومات والأحداث لجذب انتباهنا. الهواتف الذكية، وسائل التواصل الاجتماعي،
هموم العمل، ومشاكل الحياة اليومية؛ كلها تشكل "ضجيجاً"
يعيق قدرتنا على الاستماع لصوت الله الخافت.
عندما
ندخل مخدعنا ونغلق الباب، فنحن نعلن التزامنا بتخصيص هذا الوقت لله وحده. نحن نقطع
الصلة مؤقتاً بكل ما يربطنا بالعالم المادي لنرتقي بأرواحنا نحو السماويات. هذا
الانفصال ليس هروباً من الواقع، بل هو انسحاب تكتيكي لنستمد القوة والحكمة لمواجهة
هذا الواقع بقلب هادئ وعقل مستنير.
2) التخلص من حب الظهور (الرياء):
السياق
الذي قيلت فيه هذه الآية كان تحذيراً من صلاة المرائين الذين يحبون الصلاة في
المجامع وفي زوايا الشوارع "لكي
يظهروا للناس". "غلق
الباب" هو إعلان صريح لرفض هذا النوع من
العبادة الشكلية.
عندما
نصلي خلف باب مغلق، لا أحد يرانا سوى الله. لا توجد حاجة للتظاهر أو لاختيار كلمات
منمقة لإثارة إعجاب الآخرين. في الخفاء، نسقط كل الأقنعة ونقف أمام الله بحقيقتنا
المجردة؛ بضعفنا، وخطايانا، ومخاوفنا، وآمالنا. الصلاة الخفية هي صلاة الصدق
والشفافية التامة، وهي الصلاة التي يستجيب لها الله.
3) خلق مساحة العلاقة الحميمية الروحية:
المخدع
(أو الغرفة الداخلية) هو المكان الأكثر خصوصية في المنزل. دعوة الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
للدخول إلى هذا المكان ترمز إلى دعوته لنا لإقامة علاقة حميمة وشخصية معه. الله
ليس إلهاً بعيداً يكتفي بمراقبتنا من السماء، بل هو "أب"
محب يشتاق للتواصل معنا بشكل فردي.
خلف
الباب المغلق، يتحول الحديث من صلاة جماعية أو رسمية إلى حوار عميق بين القلب
والخالق. في هذا السكون، يمكننا أن نبث لله كل ما يختلج في صدورنا، أن نشكوه
همومنا، وأن نستمع لهمسات روحه المعزية والمرشدة. هذه الحميمية هي التي تبني
إيماناً راسخاً لا يتزعزع.
4) التركيز
الكامل على "الآب الذي في الخفاء":
"غلق الباب"
يساعدنا على تركيز انتباهنا بالكامل على الله. في غياب المشتتات، تتجه أفكارنا
ومشاعرنا نحو الهدف الأسمى من الصلاة: التواصل مع الآب. نحن لا نصلي لأنفسنا، ولا
نصلي للآخرين، بل نصلي لله.
هذا
التركيز يتيح لنا أن ندرك حضور الله بشكل أعمق. الآية تؤكد أن الله "في
الخفاء" وأنه "يرى
في الخفاء". هو حاضر معنا في مخدعنا المغلق،
يستمع لصلواتنا قبل حتى أن ننطق بها، ويعرف احتياجاتنا العميقة التي قد لا ندركها
نحن أنفسنا.
5) الثقة في المجازاة العلنية:
الآية
تختتم بوعد عظيم: "فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى
فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً".
هذا الوعد يؤكد أن الصلاة الخفية لا تذهب سدى. الله يرى التزامنا، وإخلاصنا،
ودموعنا التي نذرفها في الخفاء، وسيكافئنا عليها.
المجازاة
العلنية لا تعني بالضرورة الثروة أو الشهرة المادية، بل قد تكون في شكل سلام داخلي
عميق ينعكس على وجوهنا، أو قوة روحية تمكننا من التغلب على التجارب، أو نعمة تفيض
من حياتنا لتؤثر في حياة الآخرين. المكافأة الحقيقية هي أن يتحول الإنسان من
الداخل ليعكس نور الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
في الخارج.
v
خلاصة:
"غلق الباب" في الصلاة هو دعوة لاكتشاف كنز الخفاء. هو التخلي عن المظاهر والتركيز على الجوهر، والانعزال عن العالم للاتصال بخالقه. في هذا المخدع المغلق، نجد الشفاء، والقوة، والسلام، ونجد الآب المحب الذي ينتظرنا دائماً ليمنحنا نعمته ومكافأته.
0 التعليقات:
إرسال تعليق