الصعود إلى الجبل
إعداد
د. القس سامي
منير اسكندر
تُمثّل خطوة "الصعود إلى
الجبل" في «16وَأَمَّا
الأَحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذاً فَانْطَلَقُوا إِلَى الْجَلِيلِ إِلَى الْجَبَلِ، حَيْثُ
أَمَرَهُمْ يَسُوعُ»(إِنْجِيلُ مَتَّى28: 16). الانتقال النسقي الحاسم من سياق العجز المكسور (بعد
أحداث الصلب) إلى سياق التأسيس والتمكين الإداري والروحي للكنيسة الأولى. هذا التحرك
ليس مجرد انتقال جغرافي، بل هو انتقال في "الرتبة
الروحية" والوعي المنهجي للتلاميذ.
إن
عبارة "صعد إلى الجبل" تتكرر كثيراً
في الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ،
سواء في أَسْفَارٌ نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ
وَالْمَزَامِيرِ أو إعلان الله في الإِنْجِيل، وتحمل في طياتها دلالات
روحية ولاهوتية عميقة. الجبل في الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ
ليس مجرد تضاريس جغرافية، بل هو غالبًا مكان للقاء مع الله، مكان للتجلي، مكان للتشريع،
ومكان للاختلاء والصلاة.
v شرح هذه الفكرة عبر عدة محاور رئيسية:
أولاً: الجبل كمكان للقاء الله والعهد والوصايا
في
أَسْفَارٌ نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ
وَالْمَزَامِيرِ، تبرز قصة النبي موسى كأوضح
مثال على الصعود إلى الجبل للقاء الله واستلام الوصايا. جبل سيناء (أو حوريب) هو
المركز الأساسي لهذا الحدث.
v
صعود موسى لاستلام الوصايا والعهد:
نص الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ: «3وَأَمَّا مُوسَى فَصَعِدَ إِلَى اللهِ.
فَنَادَاهُ الرَّبُّ مِنَ الْجَبَلِ: «هَكَذَا تَقُولُ لِبَيْتِ يَعْقُوبَ
وَتُخْبِرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ:»(سِفْرُ اَلْخُرُوجُ19:
3).
الدلالة: هنا، الصعود هو حركة
نحو الحضور الإلهي. الله يدعو موسى للصعود لكي يقيم عهداً مع الشعب. الجبل يمثل
السمو والارتفاع عن الأمور الأرضية استعداداً لتلقي الوحي.
نص
الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ:
«12وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «اصْعَدْ
إِلَيَّ إِلَى الْجَبَلِ وَكُنْ هُنَاكَ فَأُعْطِيَكَ لَوْحَيِ الْحِجَارَةِ
وَالشَّرِيعَةِ وَالْوَصِيَّةِ الَّتِي كَتَبْتُهَا لِتَعْلِيمِهِمْ»(سِفْرُ
اَلْخُرُوجُ24: 12).
الدلالة: استلام الوصايا يتطلب
الصعود والابتعاد عن صخب المخيم. هذا يرمز إلى أن كلمة الله تتطلب بيئة من القداسة
والاستعداد الروحي لسماعها.
v
الصعود لرؤية مجد الله (التجلي في أَسْفَارٌ نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ
وَالْمَزَامِيرِ):
نص
الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ:
«15فَصَعِدَ مُوسَى إِلَى الْجَبَلِ فَغَطَّى
السَّحَابُ الْجَبَلَ 16وَحَلَّ مَجْدُ الرَّبِّ عَلَى جَبَلِ سِينَاءَ وَغَطَّاهُ السَّحَابُ
سِتَّةَ أَيَّامٍ. وَفِي الْيَوْمِ السَّابِعِ دُعِيَ مُوسَى مِنْ وَسَطِ
السَّحَابِ»(سِفْرُ اَلْخُرُوجُ24:
15-16).
الدلالة: الجبل هو مكان إعلان
المجد الإلهي (الشيكينة). السحاب يمثل الغموض والجلال، والصعود كان ضرورياً لموسى
لكي يختبر هذا الحضور الكثيف.
v
إيليا النبي وجبل حوريب:
نص
الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ:
«8فَقَامَ
وَأَكَلَ وَشَرِبَ، وَسَارَ بِقُوَّةِ تِلْكَ الأَكْلَةِ أَرْبَعِينَ نَهَاراً
وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً إِلَى جَبَلِ اللَّهِ حُورِيبَ،»(سِفْرُ اَلْمُلُوكِ الأَوَّلُ19:
8).
الدلالة: إيليا، وهو في حالة
يأس وهروب، يُقاد إلى نفس الجبل الذي صعد إليه موسى. هناك يختبر حضور الله ليس في
الريح أو الزلزلة أو النار، بل في «12وَبَعْدَ
الزَّلْزَلَةِ نَارٌ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّبُّ فِي النَّارِ. وَبَعْدَ النَّارِ صَوْتٌ مُنْخَفِضٌ خَفِيفٌ»(سِفْرُ اَلْمُلُوكِ الأَوَّلُ19:
12). الجبل هنا هو مكان استعادة القوة الروحية وتصحيح الرؤية.
ثانياً: الجبل في حياة وتعاليم الرَّبِّ
يَسُوعَ الْمَسِيحِ
في
إعلان الله في الإِنْجِيل، يستخدم الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
الجبال بشكل متكرر كأماكن محورية في رسالته.
ý
جبل التجربة:
نص
الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ:
«8ثُمَّ
أَخَذَهُ أَيْضاً إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ جِدّاً، وَأَرَاهُ جَمِيعَ
مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا،»(إِنْجِيلُ مَتَّى4: 8).
الدلالة: هنا الجبل هو مكان
للمواجهة الروحية. إبليس يستخدم الارتفاع (الذي عادة ما يرمز للقرب من الله) ليقدم
تجربة المجد الأرضي. لكن الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
ينتصر في هذا "المرتفع".
ý
جبل الموعظة (التعليم):
نص
الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ:
«1وَلَمَّا
رَأَى الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ
تَلاَمِيذُهُ. 2فَفتحَ فاهُ
وعَلَّمَهُمْ قَائِلاً:»(إِنْجِيلُ مَتَّى5:
1-2).
الدلالة: كما صعد موسى إلى جبل
سيناء لاستلام الوصايا القديمة، يصعد الرَّبِّ
يَسُوعَ الْمَسِيحِ (وهو المشترع الجديد) إلى الجبل ليعلن "وصابا إعلان الله في الإِنْجِيل" أو "دستور
الملكوت" (التطويبات وما بعدها). الجبل هنا هو منبر التعليم الإلهي.
ý
الجبل كمكان للصلاة والاختلاء:
نص
الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ:
«23وَبَعْدَمَا
صَرَفَ الْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى الْجَبَلِ مُنْفَرِداً لِيُصَلِّيَ. وَلَمَّا
صَارَ الْمَسَاءُ كَانَ هُنَاكَ وَحْدَهُ»(إِنْجِيلُ مَتَّى14: 23). (وهناك
آيات مشابهة مثل لوقا 6: 12، يوحنا 6: 15).
الدلالة:
الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ يعلمنا أن الصعود
إلى الجبل هو رمز للصعود الروحي للابتعاد عن ضجيج العالم والانفراد مع الآب في
الصلاة. الجبل يمثل العزلة المقدسة والشركة العميقة مع الله.
ý
جبل التجلي:
نص
الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ:
"وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا
أَخَاهُ وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَل عَال مُنْفَرِدِينَ. وَتَغَيَّرَتْ
هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ
بَيْضَاءَ كَالنُّورِ." «»(إِنْجِيلُ مَتَّى17:
1-2).
الدلالة: هذا من أهم أحداث
الصعود في إعلان الله في الإِنْجِيل. الجبل
(تقليدياً يُعتقد أنه جبل طابور) يصبح مكان إعلان مجد لاهوت المسيح قبل آلامه.
ظهور موسى وإيليا معه على الجبل يربط هذا الحدث بكل إعلانات أَسْفَارٌ نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ
وَالْمَزَامِيرِ على الجبال.
ý
جبل الزيتون (الآلام والوداع):
نص
الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ:
"وَخَرَجَ وَمَضَى كَالْعَادَةِ إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، وَتَبِعَهُ
أَيْضًا تَلاَمِيذُهُ... وَانْفَصَلَ عَنْهُمْ نَحْوَ رَمْيَةِ حَجَرٍ وَجَثَا
عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى" (لوقا 22: 39، 41).
الدلالة: جبل الزيتون كان مكان
صلاة الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الأخيرة قبل
الصليب (في بستان جثسيماني). هو جبل التسليم والألم.
ý
جبل الصعود (العودة للمجد):
نص
الإِعْلاَنِ الإِلَهِيَّ الْمَكْتُوبُ:
"حِينَئِذٍ رَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ مِنَ الْجَبَلِ الَّذِي يُدْعَى
جَبَلَ الزَّيْتُونِ، الَّذِي هُوَ بِالْقُرْبِ مِنْ أُورُشَلِيمَ عَلَى سَفَرِ
سَبْتٍ." (أعمال 1: 12). (بعد صعود الرَّبِّ
يَسُوعَ الْمَسِيحِ للسماء).
الدلالة: رحلة الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ الأرضية تنتهي على جبل،
حيث يصعد إلى السماء. الجبل هنا هو نقطة الانطلاق نحو المجد الأبدي.
v الخلاصة الروحية لعبارة
"صعد إلى الجبل"
من
خلال استعراض هذه الآيات، يمكننا أن نستخلص المعاني الروحية التالية:
الارتقاء الروحي: "الصعود"
يمثل مجهوداً للارتفاع فوق المستوى الأرضي المعتاد، وهو دعوة لكل مؤمن للارتقاء في
حياته الروحية.
اللقاء الشخصي: الجبل هو
المكان الذي نلتقي فيه بالله بعيداً عن تشتتات العالم.
الاستعداد للخدمة: سواء موسى، أو
إيليا، أو الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، كان
الصعود إلى الجبل يسبق دائماً أو يرافق مراحل مهمة في الخدمة وتوصيل رسالة الله.
رؤية المجد: على الجبل تنقشع
الغيوم (روحياً) ونستطيع أن نرى مجد الله أوضح (كما في التجلي).
0 التعليقات:
إرسال تعليق