إرادة
تبعية الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
إعداد
د.
القس سامي منير اسكندر
«24حِينَئِذٍ قَالَ
يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ: «إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ
وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي»(إِنْجِيلُ مَتَّى16: 24).
«34وَدَعَا
الْجَمْعَ مَعَ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ
وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ
وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي»(إِنْجِيلُ
مَرْقُسَ8: 34).
«23وَقَالَ
لِلْجَمِيعِ: «إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ
نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ
يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي»(إِنْجِيلُ
لُوقَا9: 23).
«27وَمَنْ
لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي
وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ
يَكُونَ لِي تِلْمِيذاً»(إِنْجِيلُ لُوقَا14: 27).
تبعية الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ليست مجرد انتماء ديني
أو إعجاب بتعاليمه، لكنها استجابة إرادية لدعوته. لذلك يبدأ الكلام بعبارة: «إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ
أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي». الله لا يُكره
إنسانًا على السير وراءه، بل يدعو الإرادة البشرية إلى قرار واعٍ حرّ.
فالتبعية تبدأ من
الداخل: ماذا يريد القلب؟ ومن يملك الاتجاه
الحقيقي للحياة؟
الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
لم يقل: «إن أراد أحد أن يستفيد مني»، بل «أن يأتي ورائي». أي أن التبعية تعني:
I.
السير خلفه،
II.
قبول قيادته،
III.
ترك مركزية الذات،
IV.
والدخول في طريقه هو،
لا طريق الإنسان الطبيعي.
وهنا تظهر ثلاث مراحل
مترابطة:
أولًا: «فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ».
الإنكار هنا لا يعني
كراهية الذات أو إلغاء الشخصية، بل رفض أن تكون «الأنا» هي السيد.
الكلمة اليونانية المستخدمة هي فعل يحمل
معنى التخلي عن الادعاء بالملكية أو السلطان على الذات. أي أن الإنسان يتوقف عن
جعل رغباته وأمجاده ومصالحه المرجع الأعلى.
فإنكار النفس يعني:
أن أقول: ليست إرادتي فوق إرادة الله،
وليس مجدي الشخصي هو الهدف النهائي،
وليس راحتي هي المقياس.
هذا يلمس جذور السقوط
منذ البداية: الإنسان أراد أن يعيش مستقلًا عن الله. لذلك فالتبعية الحقيقية تبدأ
بتسليم مركز القيادة لله.
ولهذا قال بولس الرسول: «مَعَ الْمَسِيحِ
صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ»(غلاطية2: 20).
ثانيًا: «وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ».
في زمن الرومان، الصليب
لم يكن رمزًا دينيًا جميلًا كما يُرى اليوم، بل أداة موت وعار. لذلك عندما تكلم الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
عن حمل الصليب، كان يدعو الإنسان إلى قبول طريق البذل والموت عن الذات.
في إنجيل لوقا أضاف:
«كُلَّ يَوْمٍ». أي أن الأمر ليس لحظة عاطفية، بل أسلوب حياة يومي:
a)
مقاومة الأنانية،
b)
احتمال الألم لأجل
الحق،
c)
الثبات وسط الرفض،
d)
والأمانة لله حتى عندما
يكون الثمن مكلفًا.
الصليب هنا لا يعني أي
معاناة عشوائية، بل الألم الناتج عن الأمانة للرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.
فليس كل تعب هو «حمل صليب»، لكن حمل الصليب هو أن أقبل أن أخسر ما يريده الجسد لكي
أربح شركة الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.
ثالثًا: «وَيَتْبَعْنِي»
التبعية ليست فقط ترك
شيء، بل الارتباط بشخص. المسيحية
في جوهرها ليست فلسفة أخلاقية بل علاقة حيّة مع الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.
فالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
لم يقل: اتبعوا
نظامًا، أو
اتبعوا أفكارًا، بل: «اتبعني».
أي أن: هو الطريق، وهو المثال، وهو القائد، وهو الغاية
أيضًا.
التلميذ الحقيقي لا
يكتفي بسماع كلمات الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ،
بل يسير وراءه حتى لو لم يفهم كل الطريق. لذلك كانت التبعية مرتبطة دائمًا
بالإيمان والطاعة والثقة.
لماذا بدأت الدعوة بـ «إن أراد أحد»؟
لأن الله يريد محبة
حقيقية لا إجبارًا. المحبة
لا تُفرض، والتبعية لا تُنتزع بالقوة. لهذا يقف الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
أمام الإرادة الإنسانية ويدعوها.
وهنا يظهر الفرق بين:
من
يريد الرَّبِّ
يَسُوعَ الْمَسِيحِ لأجل العطايا، ومن يريد
الرَّبِّ
يَسُوعَ الْمَسِيحِ نفسه.
كثيرون أرادوا الخبز
والشفاء والمعجزات، لكن عندما صار الطريق طريق صليب، رجع البعض إلى الوراء. أما
التلميذ الحقيقي فيقول كما قال بطرس الرسول: «يَا
رَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ» (يوحنا
6: 68).
v البعد اليومي لإرادة التبعية
إرادة التبعية تظهر
عمليًا عندما يختار الإنسان:
a)
الحق بدل المصلحة،
b)
القداسة بدل الشهوة،
c)
الغفران بدل الانتقام،
d)
الطاعة بدل الكبرياء،
e) الرَّبِّ
يَسُوعَ الْمَسِيحِ بدل العالم.
هي قرار يتجدد كل يوم،
لذلك قال الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ:
«كُلَّ يَوْمٍ».
المفارقة الروحية
العجيبة، بعد هذه الآيات مباشرة قال الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ:
«فَإِنَّ
مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ يُهْلِكُهَا، وَمَنْ يُهْلِكْ نَفْسَهُ مِنْ
أَجْلِي يَجِدُهَا».
أي أن الإنسان عندما
يتمسك بذاته يخسر الحياة الحقيقية، لكن عندما يسلّم ذاته للرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.
يكتشف الحياة التي خُلق لأجلها. فالتبعية تبدو ظاهريًا خسارة، لكنها في الحقيقة
دخول إلى الحرية والشركة والحياة الأبدية.
لذلك إرادة تبعية الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ
ليست قرارًا خارجيًا فقط، بل تحوّل عميق:
I.
من قيادة الذات إلى
قيادة الله،
II.
من التمركز حول النفس
إلى الشركة مع الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ،
III.
ومن الحياة الزمنية
المحدودة إلى الحياة الأبدية.
0 التعليقات:
إرسال تعليق