بقية للبحث والدراسة،
تعتبر الوصية
السابعة من الوصايا العشر «لاَ تَزْنِ» (خروج 20: 14) حجر زاوية في التشريع
الأخلاقي والروحي في العهد القديم، وقد اتسع مفهومها وعمقها عبر أسفار الشريعة
(ناموس موسى)، والأنبياء، والمزامير، وصولاً إلى كمال معناها في تعليم الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ والعهدين.
أولاً:
الوصية السابعة في ناموس موسى (الأسفار الخمسة)
في الشريعة
الموسوية، لم تكن الوصية مجرد نهي عن خطية جسدية، بل كانت حماية لنقاوة الأسرة
والعلاقة العهدية بين الإنسان والله، وللمجتمع ككل.
1. الأساس في الخلقة:
o
جعل الله الزواج
رباطاً مقدساً بين رجل واحد وامرأة واحدة ليصيرا «جَسَداً وَاحِداً» (تكوين 2:
24). وبناءً عليه، فإن أي اعتداء على هذا الرباط هو كسر لترتيب الخلقة.
2. القداسة والتنقيتها في الشريعة:
o
اعتبرت الشريعة
الزنا شناعة وكسراً للعهد، وكانت عقوبته حازمة في الشريعة للحفاظ على نقاوة الشعب:
«وَإِذَا زَنَى
رَجُلٌ مَعَ امْرَأَةٍ، فَإِذَا زَنَى مَعَ امْرَأَةِ قَرِيبِهِ، فَإِنَّهُ
يُقْتَلُ الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ.» (لاويين 20: 10؛ انظر أيضاً تثنية 22: 22).
3. الزنا كشر موجه ضد الله:
o
ظهر هذا الفهم
جلياً حتى قبل إعطاء الشريعة المكتوبة في موقف يوسف الصديق عندما رفض خطية الزنا
قائلاً:
«فَكَيْفَ
أَصْنَعُ هَذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟» (تكوين 39: 9).
ثانياً:
الوصية السابعة في أسفار المزامير والحكمة
تناولت المزامير
وأسفار الحكمة (كأمثال سليمان) خطية الزنا من زاوية روحيّة وسلوكيّة ونفسيّة،
موضحة نتائجها الكارثية على النفس والجسد.
1. النتائج الروحية والجسدية للزنا (سفر الأمثال):
o
يصف سفر الأمثال
الزنا بأنه طريق للهلاك والعمى الروحي:
«مَنْ يَزْنِي
بِامْرَأَةٍ فَهُوَ عَدِيمُ الْعَقْلِ. الْمُفْسِدُ نَفْسَهُ هُوَ يَفْعَلُهُ.»
(أمثال 6: 32).
«لأنَّ شَفَتَيْ
المَرْأَةِ الأَجْنَبِيَّةِ تَقْطُرَانِ عَسَلاً... لكِنَّ عَاقِبَتَهَا مُرَّةٌ
كَالأَفْسَنْتِينِ.» (أمثال 5: 3-4).
2. التوبة والتطهير من الخطية (المزامير):
o
صرخ داود النبي
في مزمور التوبة المشهور بعد خطيته مع بثشبع، موضّحاً أن الطهارة هي عمل قلبي
داخلي:
«قَلْباً
نَقِيّاً اخْلُقْ فِيَّ يَا اللهُ، وَرُوحاً مُسْتَقِيماً جَدِّدْ فِي دَاخِلِي»(مزمور
51: 10).
ثالثاً:
الوصية السابعة في أسفار الأنبياء
استخدم الأنبياء
الوصية السابعة على مستويين: المستوى الحرفي الاخلاقي، والمستوى الروحي الرمزي.
1. الزنا الروحي (الارتداد عن الله):
o
صوّر الأنبياء
العهد بين الله وشعبه كعقد زواج مقدس. بناءً عليه، اعتبروا عبادة الأصنام
والارتداد عن الله «زناً روحياً»:
«وَرَأَيْتُ
أَنَّهُ لأَجْلِ كُلِّ أَسْبَابِ زِنَى إِسْرَائِيلَ الْعَاصِيَةِ طَلَّقْتُهَا...
وَلَمْ تَخَفْ أُخْتُهَا الْخَائِنَةُ يَهُوذَا، بَلْ مَضَتْ وَزَنَتْ هِيَ
أَيْضاً» (إرميا 3: 8)؛ وانظر أيضاً (حزقيال 16).
2. سفر هوشع (تجسيد العهد والمغفرة):
o
طُلب من هوشع
النبي أن يتزوج بامرأة زنى لتكون حياته رمزاً لحبة الله الأبدية لشعبه الخائن الذي
زنى وابتعد عنه، وكيف يسعى الله لافتداء شعبه وتطهيره (هوشع 2: 19-20).
رابعاً:
الكمال الروحي للوصية في العهد الجديد
أكمل الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مفهوم الوصية
ونقلها من مجرد الامتناع عن الفعل الخارجي إلى طهارة الفكر والقلب: «قَدْ
سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ
لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى
بِهَا فِي قَلْبِهِ»(متى 5: 27-28).
- جسد المؤمن هيكل للروح القدس:
شدد القديس بولس
على قداسة الجسد في الرسائل: «اهْرُبُوا مِنَ الزِّنَى... أَمْ لَسْتُمْ
تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي
فِيكُمْ؟» (1 كورنثوس 6: 18-19).
v لمزيد من الدراسة والمراجع
للتعمق في تفسير
الوصية السابعة أبعادها اللاهوتية والتاريخية، يُنصح بالرجوع إلى المراجع
التفسيرية التالية:
1. التفاسير المسيحية والآبائية:
o
تفسير سفر
الخروج (الإصحاح 20): للقمص تادرس يعقوب ملطي (يتناول البعد الروحي والآبائي
للوصايا).
o
تفسير العظة على
الجبل (متى 5): للقدّيس يوحنا الذهبي الفم (شرح عميق لمفهوم نقاوة القلب والفكر).
o
شرح الوصايا
العشر: للبابا شنودة الثالث (دراسة تفصيلية وتطبيقية لكل وصية).
2. القواميس والمعاجم اللاهوتية:
o قاموس الكتاب المقدس: مادة (زَنَى / زِنَى) لمراجعة المفاهيم اللغوية والتشريعية في العهدين.
o
Dake's
Annotated Reference Bible أو Matthew Henry’s Commentary on the Whole
Bible (تفسير متى هنري لأسفار الخروج، الأمثال، وإرميا).
3. الدراسات الكتابية والتاريخية:
o
The Ten
Commandments: How Our Most Ancient Moral Code Can Save Us Today
- Dr. Laura Schlessinger (دراسة أخلاقية
وتاريخية للوصايا).
للتواصل

1 التعليقات:
احمي يارب من الخطية الساكن في
إرسال تعليق